سيد محمد طنطاوي

67

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال الآلوسي : وقوله * ( لَعَمْرُكَ ) * قسم من اللَّه - تعالى - بعمر نبينا صلى اللَّه عليه وسلم على ما عليه جمهور المفسرين . وأخرج البيهقي في الدلائل ، وأبو نعيم وابن مردويه وغيرهم عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - قال : ما خلق اللَّه - تعالى - وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى اللَّه عليه وسلم وما سمعت اللَّه - تعالى - أقسم بحياة أحد غيره ، قال - تعالى - : * ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * وقيل هو قسم من الملائكة بعمر لوط - عليه السلام - ، وهو مع مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول ، أي . قالت الملائكة للوط - عليه السلام - لعمرك . . وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهدا له وقرينة عليه . . » « 1 » . ثم ختم - سبحانه - القصة ببيان النهاية الأليمة لهؤلاء المفسدين من قوم لوط فقال - تعالى - * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ) * . والصيحة : من الصياح وهو الصوت الشديد . يقال : صاح فلان إذا رفع صوته بشدة . وأصل ذلك تشقيق الصوت من قولهم : انصاح الخشب أو الثوب ، إذا انشق فسمع منه صوت . قالوا : وكل شيء أهلك به قوم فهو صيحة وصاعقة . * ( مُشْرِقِينَ ) * : اسم فاعل من أشرقوا إذا دخلوا في وقت شروق الشمس ، أي : أن اللَّه - تعالى - بعد أن أخبر لوطا - عليه السلام - بإهلاك قومه ، وأمره عن طريق الملائكة - بالخروج ومعه المؤمنون من هذه المدينة . . جاءت الصيحة الهائلة من السماء فأهلكتهم جميعا وهم داخلون في وقت شروق الشمس . وقال - سبحانه - قبل ذلك : * ( وقَضَيْنا إِلَيْه ذلِكَ الأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ) * وقال هنا * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ) * للإشارة إلى أن ابتداء عذابهم كان عند الصباح وانتهاءه باستئصال شأفتهم كان مع وقت الشروق . والضمير في قوله * ( عالِيَها سافِلَها ) * يعود إلى المدينة التي كان يسكنها المجرمون من قوم لوط . أي : فجعلنا بقدرتنا عالي هذه المدينة سافلها ، بأن قلبناها قلبا كاملا * ( وأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ ) * أي على هؤلاء المجرمين من قوم لوط * ( حِجارَةً ) * كائنة * ( مِنْ سِجِّيلٍ ) * أي من طين متحجر . فهلكوا جميعا .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 66 .