سيد محمد طنطاوي

586

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ونص الفراء على أن هذا اللفظ عربي ومعناه البستان الذي فيه كرم . وقال المبرد : هي - أي كلمة الفردوس - فيما سمعت من العرب : الشجر الملتف والأغلب عليه العنب . وأخرج الشيخان عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : إذا سألتم اللَّه - تعالى - فاسألوه الفردوس ، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن . ومنه تفجر أنهار الجنة « 1 » . والمعنى : إن الذين آمنوا باللَّه - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان به ، وعملوا الأعمال الصالحات بإخلاص واتباع لما جاء به الصادق المصدوق صلى اللَّه عليه وسلم كانت لهم عند اللَّه - تعالى - جنات الفردوس ، التي هي أفضل الجنات وأرفعها درجة * ( نُزُلًا ) * أي : هدية تقدم لهم منه يوم القيامة ، ومكانا ينزلون به تكريما وتشريفا لهم . * ( خالِدِينَ فِيها ) * خلودا أبديا ، حالة كونهم * ( لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ) * أي : لا يطلبون تحولا أو انتقالا منها إلى مكان آخر ، لكونها أطيب المنازل وأعلاها . وفي قوله - تعالى - : * ( لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ) * لفتة دقيقة عميقة للإجابة على ما يعترى النفس البشرية من حب للانتقال والتحول من مكان إلى مكان ، ومن حال إلى حال . فكأنه - سبحانه - يقول : إن ما جبلت عليه النفوس في الدنيا من حب للتحول والتنقل . قد زال وانتهى بحلولها في الآخرة في الجنة ، فالنفس الإنسانية عندما تستقر في الجنة - ولا سيما جنة الفردوس - لا تريد تحولا أو انتقالا عنها ، لأنها المكان الذي لا تشتاق النفوس إلى سواه ، لأنها تجد فيه ما تشتهيه وما تبتغيه ، نسأل اللَّه - تعالى - أن يرزقنا جميعا جنات الفردوس . وكما افتتح - سبحانه - السورة الكريمة بالثناء على ذاته ، ختمها - أيضا - بالثناء والحمد ، فقد أثبت - عز وجل - أن علمه شامل لكل شيء . وأن قدرته نافذة على كل شيء ، وأنه - تعالى - هو المستحق للعبادة والطاعة ، فقال :

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 61 ص 50 .