سيد محمد طنطاوي

587

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 109 إلى 110 ] قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِه مَدَداً ( 109 ) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِله واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه أَحَداً ( 110 ) والمراد بالبحر : جنسه ، والمداد في الأصل : اسم لكل ما يمد به الشيء ، واختص في العرف لما تمد به الدواة من الحبر . والمراد بكلمات ربي : علمه وحكمته وكلماته التي يصرف بها هذا الكون . وقوله : * ( لَنَفِدَ الْبَحْرُ ) * : أي لفنى وفرغ وانتهى . يقال : نفد الشيء ينفد نفادا ، إذا فنى وذهب ، ومنه قولهم : أنفد فلان الشيء واستنفده ، أي : أفناه . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : لو كان ماء البحر مدادا للأقلام التي تكتب بها كلمات ربي ومعلوماته وأحكامه . . لنفد ماء البحر ولم يبق منه شيء - مع سعته وغزارته - قبل أن تنفد كلمات ربي ، وذلك لأن ماء البحر ينقص وينتهى أما كلمات اللَّه - تعالى - فلا تنقص ولا تنتهي . وقوله - سبحانه - : * ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِه مَدَداً ) * زيادة في المبالغة وفي التأكيد لما قبله من شمول علم اللَّه - تعالى - لكل شيء ، وعدم تناهيه . أي : وبعد نفاد ماء البحر السابق ، لو جئنا بماء بحر آخر مثله في السعة والغزارة ، وكتبنا به كلمات اللَّه - تعالى - لنفد - أيضا - ماء البحر الثاني دون أن تنفد كلمات ربي . فالآية الكريمة تصور شمول علم اللَّه - تعالى - لكل شيء ، وعدم تناهى كلماته ، تصويرا بديعا ، يقرب إلى العقل البشرى بصورة محسوسه كمال علم اللَّه - تعالى - وعدم تناهيه . قال الآلوسي : وقوله : * ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِه مَدَداً ) * : هذا كلام من جهته - تعالى شأنه - غير داخل في الكلام الملقن ، جيء به لتحقيق مضمونه ، وتصديق مدلوله على أتم وجه . والواو لعطف الجملة على نظيرتها المستأنفة المقابلة لها المحذوفة لدلالة ما ذكر عليها دلالة واضحة :