سيد محمد طنطاوي

544

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ، بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِه مَوْئِلًا ) * . أي : وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة الكثيرة ، وصاحب الرحمة التي وسعت كل شيء . لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب والمعاصي ، لعجل لهم العذاب بسبب ما يرتكبونه من كفر وآثام ، ولكنه - سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمة منه وحلما . وجملة « بل لهم موعد . . » معطوفه على مقدر ، فكأنه - سبحانه - قال : لكنه - سبحانه - لم يؤاخذهم ، بل جعل وقتا معينا لعذابهم ، لن يجدوا من دون هذا العذاب موئلا . أي ملجأ يلتجئون إليه ، أو مكانا يعتصمون به . فالموئل : اسم مكان . يقال : وأل فلان إلى مكان كذا يئل وألا . . إذا لجأ إليه ليعتصم به من ضر متوقع . فالآية الكريمة تبين أن اللَّه - تعالى - بفضله وكرمه لا يعاجل الناس . بالعقاب ، ولكنه - عز وجل - ليس غافلا عن أعمالهم ، بل يؤخرهم إلى الوقت الذي تقتضيه حكمته ، لكي يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذنوب وآثام . وفي معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّه النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ ، ولكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى . فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّه كانَ بِعِبادِه بَصِيراً « 1 » . وقوله - تعالى - : وإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ، وإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ « 2 » ثم بين - سبحانه - سننه في الأمم الماضية فقال : * ( وتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) * . واسم الإشارة « تلك » تعود إلى القرى المهلكة بسبب كفرها وفسوقها عن أمر ربها ، كقرى قوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام - . والقرى : جمع قرية والمراد بها أهلها الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود . أي : وتلك القرى الماضية التي أصر أهلها على الكفر والفسوق والعصيان أهلكناهم بعذاب الاستئصال في الدنيا ، بسبب هذا الكفر والظلم ، وجعلنا لوقت هلاكهم موعدا لا يتأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون .

--> ( 1 ) سورة فاطر الآية 45 . ( 2 ) سورة الرعد الآية 6 .