سيد محمد طنطاوي
545
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ولفظ « تلك » مبتدأ ، والقرى صفة له أو عطف بيان ، وجملة * ( أَهْلَكْناهُمْ ) * هي الخبر . وقوله * ( لَمَّا ظَلَمُوا ) * بيان للأسباب التي أدت بهم إلى الهلاك والدمار ، أي : أهلكناهم بسبب وقوع الظلم منهم واستمرارهم عليه . وجئ باسم الإشارة « تلك » للإشعار بأن أهل مكة يمرون على تلك القرى الظالمة المهلكة ، ويعرفون أماكنهم معرفة واضحة عند أسفارهم من مكة إلى بلاد الشام . قال - تعالى - وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ « 1 » . وقوله : * ( وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) * قرأ الجمهور ، لمهلكهم ، - بضم الميم وفتح اللام - على صيغة اسم المفعول ، وهو محتمل أن يكون مصدرا ميميا . أي : وجعلنا لإهلاكهم موعدا . ويحتمل أن يكون اسم زمان ، أي : وجعلنا لزمان إهلاكهم موعدا . وقرأ حفص عن عاصم « لمهلكهم » بفتح الميم وكسر اللام - فيكون اسم زمان ، وقرأ شعبة عن عاصم . لمهلكهم « - بفتح الميم واللام - فيكون مصدرا ميميا . وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد وضحت أن القرآن الكريم قد نوع اللَّه - تعالى - فيه الأمثال لقوم يعقلون ، كما بينت أن الإنسان مجبول على المجادلة والمخاصمة . وأن المشركين قد أصروا على شركهم بسبب انطماس بصائرهم . وزيغهم عن الحق ، وأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وظيفتهم البلاغ والتبشير والإنذار ، وأن عاقبة الجاحدين الذين ختم اللَّه على قلوبهم وعلى سمعهم هي النار وبئس القرار ، وأن الله - تعالى - يمهل الظالمين ولا يهملهم ، فهو كما قال - سبحانه - نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ، وأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الأَلِيمُ « 2 » . ثم ساق - سبحانه - قصة فيها ما فيها من الأحكام والعظات ، ألا وهي قصة موسى - عليه السلام - مع عبد من عباد اللَّه الصالحين ، فقال - تعالى - : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 60 إلى 65 ] وإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاه لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ سَرَباً ( 61 ) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاه آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه واتَّخَذَ سَبِيلَه فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناه رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وعَلَّمْناه مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 )
--> ( 1 ) سورة الصافات الآيتان 137 ، 138 . ( 2 ) سورة الحجر الآيتان 49 ، 50 .