سيد محمد طنطاوي
536
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والضمير في قوله « ما أشهدتهم » يعود إلى إبليس وذريته ، والإشهاد : بمعنى الإحضار والإعلام . أي : ما أشهدت إبليس وذريته خلق السماوات والأرض ، لأنى خلقتهما دون أن أستعين في خلقهما بأحد ، أو لأنى خلقتهما قبل خلقهم ، * ( ولا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) * أي : ولا أشهدت بعضهم خلق بعض ، لأنى لا أستعين بأحد حين أخلق ما أشاء ، ولا أستشير أحدا حين أقدر ما أشاء . وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم أولياء وشركاء من دوني وأنا الخالق لكل شيء ، والقاهر فوق كل شيء ؟ . فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - ، ولبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور في أنفسهم ، بعد بيان المواقع والصوارف التي تمنع وتصرف عن اتخاذهم أولياء ، من خباثة أصلهم ، وفسوقهم عن أمر ربهم . وهذا المعنى الذي صرحت به الآية الكريمة من تفرد اللَّه - تعالى - بالخلق والقدرة . قد جاء في آيات أخرى منها قوله - تعالى - هذا خَلْقُ اللَّه فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه ، بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( وما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) * مؤكد لما قبله من تفرده - سبحانه - بالخلق والقدرة والعلم . والعضد - بفتح العين وضم الضاد - في الأصل ، يطلق على العضد المعروف ما بين المرفق إلى الكتف ، ويستعار للمعين والناصر فيقال : فلان عضدي ، أي : نصيري . ومنه قوله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ أي : سنقويك ونعينك بأخيك هارون وذلك لأن اليد قوامها العضد ، فإذا فقدته أصابها العجز . أي : وما كنت متخذ المضلين عن سبيلي أعوانا وأنصارا في شأن من شئونى ، وخص - سبحانه - المضلين بالذكر ، زيادة في ذمهم وتوبيخهم ، وتقريعا لأمثالهم ، لأنه - عز وجل - ليس له أعوان ولا أنصار فيما يفعله لا من المضلين ولا من المهتدين . ولم يقل - سبحانه - وما كنت متخذهم . . بالإضمار ، كما قال : * ( ما أَشْهَدْتُهُمْ ) * بل
--> ( 1 ) سورة لقمان الآية 11 .