سيد محمد طنطاوي

537

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أظهر في مقام الإضمار ، لتسجيل الضلال عليهم ، حتى ينصرف عنهم كل عاقل ، وللتنبيه على أن الضالين المضلين لا تصح الاستعانة بهم . ولقد حكى اللَّه - تعالى - عن نبيه موسى - عليه السلام - براءته من المجرمين فقال : قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ « 1 » . والظهير : الناصر والمعين لغيره . ثم ساقت السورة الكريمة مشهدا من مشاهد القيامة - يكشف عن سوء المصير الذي ينتظر الشركاء وينتظر المجرمين . فقال - تعالى - : * ( ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ . . . ) * . أي : واذكر - أيها العاقل - يوم يقول اللَّه - تعالى - للمجرمين والكافرين على سبيل التوبيخ والتقريع : أيها الكافرون ، نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم ينفعونكم ويشفعون لكم في هذا الموقف العصيب « فدعوهم » أي : فأطاعوا أمر خالقهم ، ودعوا شركاءهم لكي يستغيثوا بهم « فلم يستجيبوا لهم » أي : فلم يجدوا منهم أدنى استجابة فضلا عن النفع أو العون . وقوله : * ( وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً ) * أي : وجعلنا بين الداعين والمدعوين مهلكا يشتركون فيه جميعا وهو جهنم . فالموبق : اسم مكان من وبق وبوقا - كوثب وثوبا - أو وبق وبقا كفرح فرحا - إذا هلك . ويقال فلان أوبقته ذنوبه : أي أهلكته . ومنه قوله - تعالى - : أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا أي يهلكهن . ومنه الحديث الشريف : « كل يغدو فموبق نفسه » - أي مهلكها - ومنه أيضا قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « اجتنبوا السبع الموبقات » أي : المهلكات . وقيل : الموبق اسم واد في جهنم فرق اللَّه به بينهم ، أي بين الداعين والمدعوين . وقيل : كل حاجز بين شيئين فهو موبق . قال ابن جرير - رحمه اللَّه - بعد أن ذكر جملة من الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، القول الذي ذكرناه من أن الموبق بمعنى المهلك وذلك أن العرب تقول في كلامها : قد أوبقت فلانا إذا أهلكته . . » « 2 » .

--> ( 1 ) سورة القصص الآية 17 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 15 ص 172 .