سيد محمد طنطاوي

535

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالإنكار والتوبيخ والتعجيب ممن يتبع خطوات إبليس وذريته فقال : * ( أَفَتَتَّخِذُونَه وذُرِّيَّتَه أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) * . أي : أفبعد أن ظهر لكم - يا بني آدم - ما ظهر من فسوق إبليس عن أمر ربه ، تتخذونه وذريته الذين نهجوا نهجه ، أولياء ، وأصفياء من دوني ، فتطيعونهم بدل أن تطيعوني ، والحال أن إبليس وذريته لكم عدو ؟ لا شك أن من يفعل ذلك منكم يكون قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وآثر الغي على الرشد ، والضلالة على الهداية ، والفسوق على الإيمان ! ! . فالجملة الكريمة تستبعد من كل عاقل ، أن يطيع إبليس وذريته ، بعد أن تبين له عداوتهم إياه ، وحرصهم على إيقاعه في موارد الهلكة والسوء . وقوله : * ( وذُرِّيَّتَه ) * يدل على أن لإبليس ذرية ، إلا أن الطريقة التي بواسطتها كانت له الذرية ، لم يرد بها نص صحيح يعتمد عليه ، لذا وجب تفويض علمها إلى - اللَّه تعالى - . قال الآلوسي عند تفسيره لهذه الآية : والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أن له أولادا ، وبذلك قال جماعة . . وعن قتادة أنه قال : إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم . ثم قال الآلوسي : ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته ، فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا ، ونقول « 2 » به . وقوله - تعالى - : * ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ) * حكم منه - سبحانه - بسوء التفكير والمصير على المتخذين إبليس وذريته أولياء من دونه - تعالى - وبئس فعل يفيد الذم ، والبدل : العوض عن الشيء . أي بئس للظالمين ، الواضعين للشيء في غير موضعه ، ما فعلوه من تركهم طاعة اللَّه - تعالى - وأخذهم في مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته . والمخصوص بالذم محذوف دل عليه المقام والتقدير : بئس البدل والعوض عن طاعة اللَّه - تعالى - طاعة إبليس وذريته . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه وقدرته ، وعلى عجز وجهالة المعبودين من دونه ، فقال - تعالى - : * ( ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ والأَرْضِ ولا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ) * .

--> ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 من 295 .