سيد محمد طنطاوي
516
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وما أصدق قول قتادة - رضى اللَّه عنه - : « تلك - واللَّه - أمنية الفاجر : كثرة المال وعزة النفر » ، ثم انتقل صاحب الجنتين من غروره هذا إلى غرور أشد . حكاه القرآن في قوله : * ( ودَخَلَ جَنَّتَه وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِه قالَ : ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِه أَبَداً . وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ، ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ) * . أي : أن هذا الكافر لم يكتف بتطاوله على صاحبه المؤمن ، بل سار به نحو جنته حتى دخلها وهو ظالم لنفسه بسبب كفره وجحوده وغروره . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم أفرد الجنة بعد التثنية ؟ قلت : معناه ودخل ما هو جنته ، ماله جنة غيرها : يعنى أنه لا نصيب له في الجنة التي وعدها اللَّه للمؤمنين ، فما ملكه في الدنيا هو جنته لا غير ، ولم يقصد الجنتين ولا واحدة منهما . وقوله * ( وهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِه ) * أي : وهو معجب بما أوتى مفتخر به ، كافر لنعمة ربه ، معرض بذلك نفسه لسخط اللَّه ، وهو أفحش الظلم . . « 1 » . وقوله : * ( قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِه أَبَداً ) * أي : قال هذا الكافر لصاحبه : ما أظن أن هذه الجنة تفنى أو تهلك أبدا . يقال : باد الشيء يبيد بيدا وبيودا : إذا هلك وفنى . ثم ختم هذا الكافر محاورته لصاحبه بقوله : * ( وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) * أي : كائنة ومتحققة . فهو قد أنكر البعث وما يترتب عليه من حساب بعد إنكاره لفناء جنته ، ثم أكد كلامه بجملة قسمية فقال : * ( ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي ) * أي : واللَّه لئن رددت إلى ربي على سبيل الفرض والتقدير كما أخبرتني يا صاحبي بأن هناك بعثا وحسابا * ( لأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها ) * أي : من هذه الجنة * ( مُنْقَلَباً ) * أي : مرجعا وعاقبة . اسم مكان من الانقلاب بمعنى الرجوع والانصراف عن الشيء إلى غيره . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَداً . وقوله - سبحانه - : وقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وأَوْلاداً وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . والمتدبر لحال صاحب الجنتين يراه ، - أولا - قد زعم أن مدار التفاضل هو الثروة والعشيرة ، ويراه - ثانيا - قد بنى حياته على الغرور والبطر ، واعتقاد الخلود لزينة الحياة
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 484 .