سيد محمد طنطاوي

504

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لا تصل إليهم مع أنهم في فجوة من الكهف ، وصان أجسادهم من البلى والتعفن بأن قلبهم ذات اليمين وذات الشمال ، وأنام كلبهم بعتبة باب الكهف حتى لكأنه حارس لهم : وألقى الهيبة عليهم بحيث لو رآهم الرائي لولى منهم فرارا . ولملئ قلبه رعبا من منظرهم . وسخر أصحاب النفوذ والقوة للدفاع عنهم . وللتعبير عن تكريمهم لهم بقولهم : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً . 5 - بيان أن التفكير السليم - المصحوب بالنية الطيبة والعزيمة الصادقة ، يؤدى إلى الاهتداء إلى الحق ، وأن القلوب النقية الطاهرة تتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان . وأن فضح الباطل والكشف عن زيفه . . دليل على سلامة اليقين . فهؤلاء الفتية اجتمعوا على الحق ، وربط اللَّه على قلوبهم إذ قاموا للوقوف في وجه الباطل ، وهداهم تفكيرهم السليم إلى أن المستحق للعبادة هو ربهم رب السماوات والأرض ، وأن من يعبد غيره يكون قد افترى على اللَّه كذبا . وأن اعتزال الكفر يوصل إلى نشر الرحمة ، والظفر بالسداد والتوفيق . ولذا تواصوا فيما بينهم بقولهم : فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِه ، ويُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً . 6 - بيان أن مباشرة الأسباب المشروعة لا تنافى التوكل على اللَّه . فهؤلاء الفتية عندما خرجوا من ديارهم ، أخذوا معهم بعض النقود ، وبعد بعثهم من رقادهم أرسلوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم طعاما طاهرا حلالا ، وأوصوه بالتلطف في أخذه وعطائه وبكتمان أمره وأمرهم حتى لا يعرف الأعداء مكانهم . وهكذا العقلاء ، لا يمنعهم توكلهم على اللَّه - تعالى - من أخذ الحيطة والحذر في كل شؤونهم التي تستدعى ذلك . 7 - إقامة أوضح الأدلة وأعظمها على أن البعث حق . فقد أطلع اللَّه - تعالى - الناس على هؤلاء الفتية ، ليوقنوا بأنه - سبحانه - قادر على إحياء الموتى . . لأن من يقدر على بعث الراقدين من رقادهم بعد مئات السنين ، فهو قادر على إحياء الموتى يوم القيامة . 8 - بيان أن من الواجب على المؤمن إذا أراد فعل شيء أن يقرن ذلك بمشيئة اللَّه - تعالى - لأنه - سبحانه - بيده الأمر كله ، وصدق اللَّه إذ يقول : * ( ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ) * . هذه بعض العظات والأحكام التي ترشدنا إليها هذه القصة ، وقد ذكرنا جانبا آخر منها