سيد محمد طنطاوي
503
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من مدن تركيا الآن ، قالوا إنها تبعد عن مدينة « أزمير » بحوالي أربعين ميلا ، وتعرف الآن باسم : « أيازبوك » . وقيل : إنه كان ببلدة تدعى « أبسس » - بفتح الهمزة وسكون الباء وضم السين - وهذه البلدة من ثغور « طرسوس » بين مدينة حلب بسوريا ، وبلاد أرمينية وأنطاكية . وقيل : إنه كان ببلدة تسمى « بتراء » بين خليج العقبة وفلسطين . . إلى غير ذلك من الأقوال الكثيرة ، التي لا نرى داعيا لذكرها ، لقلة فائدتها . وأما الزمن الذي ظهروا فيه ، فيرى كثير من المفسرين أنه كان في القرن الثالث الميلادي في عهد الإمبراطور الروماني « دقيانوس » الذي كان يحمل الناس حملا على عبادة الأصنام ، ويعذب من يخالف ذلك . ( ب ) العبر والعظات والأحكام التي تؤخذ من هذه القصة - ومن أهمها : 1 - إثبات صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، حيث أخبر - عن طريق ما أوحاه اللَّه إليه من قرآن - عن قصة هؤلاء الفتية ، وبين وجه الحق في شأنهم ورد على ما خاضه الخائضون في أمرهم ، وصدق اللَّه إذ يقول : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ . . . 2 - الكشف عن جانب من بلاغة القرآن الكريم في قصصه ، حيث ساق هذه القصة مجملة في الآيات الأربع الأولى منها ، ثم ساقها مفصلة بعد ذلك تفصيلا حكيما . وفي ذلك ما فيه من تمكن أحداثها وهداياتها في القلوب . والمرشد العاقل هو الذي ينتفع بهذا الأسلوب القرآني في وعظه وإرشاده . 3 - بيان أن الإيمان متى استقر في القلوب ، هان كل شيء في سبيله . فهؤلاء الفتية آثروا الفرار بدينهم ، على البقاء في أوطانهم ، لكي تسلم لهم عقيدتهم . . فهم كما قال - سبحانه - في شأنهم : إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهُمْ هُدىً . 4 - بيان أن على المؤمن أن يلجأ إلى اللَّه بالدعاء - لا سيما عند الشدائد والكروب ، وأنه متى اتقى اللَّه - تعالى - وأطاعه ، جعل له - سبحانه - من كل ضيق فرجا ، ومن كل هم مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، وصانه من السوء . فهؤلاء الفتية عندما لجئوا إلى الكهف ، تضرعوا إلى اللَّه بقولهم : رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً . فأجاب اللَّه دعاءهم ، حيث ضرب على آذانهم في الكهف سنين عددا ، وجعل الشمس