سيد محمد طنطاوي
502
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان . كان مقداره ثلاثمائة سنين وتسع سنين بالهلالية وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية ، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين ، فلهذا قال بعد الثلاثمائة * ( وازْدَادُوا تِسْعاً ) * . وقال قتادة في قوله : * ( ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ . . ) * وهذا قول أهل الكتاب وقد رده اللَّه - تعالى - بقوله : * ( قُلِ اللَّه أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا ) * . وفي هذا الذي قاله قتادة نظر ، فإن الذي بأيدي أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع ولو كان اللَّه - تعالى - قد حكى قولهم لما قال : * ( وازْدَادُوا تِسْعاً ) * ، وظاهر الآية أنه خبر عن اللَّه لا حكاية عنهم . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( لَه غَيْبُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * تأكيد لاختصاصه - عز وجل - بعلم المدة التي لبثوها ، أي : له - سبحانه - وحده علم ما خفى وغاب من أحوال السماوات والأرض ، وأحوال أهلهما ، كما قال - تعالى - : إِنَّ اللَّه لا يَخْفى عَلَيْه شَيْءٌ فِي الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ . وقوله - سبحانه - : * ( أَبْصِرْ بِه وأَسْمِعْ ) * صيغتا تعجب : أي : ما أبصره وما أسمعه - تعالى - والمراد أنه - سبحانه - لا يغيب عن بصره وسمعه شيء . وجاءت هذه الجملة الكريمة بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره - تعالى - في الإدراك خارج عما عليه إدراك المبصرين والسامعين . إذ لا يحجبه شيء ، ولا يتفاوت عنده لطيف وكثيف ، وصغير وكبير ، وجلى وخفى . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( ما لَهُمْ مِنْ دُونِه مِنْ وَلِيٍّ ولا يُشْرِكُ فِي حُكْمِه أَحَداً ) * . أي : ليس لأهل السماوات ولا لأهل الأرض ولا لغيرهما غير اللَّه - تعالى - نصير ينصرهم ، أو ولى يلي أمرهم . ولا يشرك - سبحانه - في حكمه أو قضائه أحدا كائنا من كان من خلقه . كما قال - تعالى - أَلا لَه الْخَلْقُ والأَمْرُ تَبارَكَ اللَّه رَبُّ الْعالَمِينَ . هذا ، وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات مسائل منها . ( أ ) مكان الكهف الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية ، والزمن الذي ظهروا فيه ، أما مكان الكهف فللعلماء فيه أقوال : من أشهرها أنه كان بالقرب من مدينة تسمى « أفسوس » وهي
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 146 .