سيد محمد طنطاوي

500

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : اذكر ربك معلقا على مشيئته ما تقول إنك ستفعله غدا إذا تذكرت بعد النسيان . وهذا القول هو الظاهر ، لأنه يدل عليه ما قبله ، وهو قوله - تعالى - : * ( ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ) * وهو قول الجمهور . الثاني : أن هذه الجملة لا تعلق لها بما قبلها ، وأن المعنى : إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر ربك ، لأن النسيان من الشيطان ، كما قال - تعالى - عن فتى موسى : وما أَنْسانِيه إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَه . . . « 1 » . وعلى هذا القول يكون المراد بالذكر : التسبيح والاستغفار ، وعلى الأول المراد به أن تقول : إن شاء الله أو ما يشبه ذلك . والمقصود من هذه الآية الكريمة بيان أن تعليق الأمور بمشيئة اللَّه - تعالى - هو الذي يجب أن يفعل ، لأنه - تعالى - لا يقع شيء إلا بمشيئته فإذا نسي المسلم ثم تذكر ، فإنه يقول : إن شاء اللَّه ، ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة ، وبذلك يكون قد فوض أمره إلى اللَّه - تعالى - . وليس المقصود بها التحلل من يمين قد وقعت ، لأن تداركها قد فات بالانفصال ، ولأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( وقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ) * أي : قدم - أيها الرسول الكريم - مشيئة ربك عند إرادة فعل شيء ، وأت بها إذا نسيت ذلك عند التذكر ، وقل عسى أن يوفقني ربي ويهديني ويدلني على شيء أقرب في الهداية والإرشاد من هذا الذي قصصته عليكم من أمر أصحاب الكهف . قال صاحب الكشاف : وقوله : * ( لأَقْرَبَ مِنْ هذا . . ) * اسم الإشارة يعود إلى نبأ أصحاب الكهف : ومعناه : لعل اللَّه يؤتينى من البينات والحجج على أنى نبي صادق ، ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف . وقد فعل - سبحانه - ذلك ، حيث آتاه من قصص الأنبياء ، والإخبار بالغيوب ، ما هو أعظم من ذلك وأدل ، « 2 » .

--> ( 1 ) أضواء البيان ج 4 ص 77 . ( 2 ) تفسير الكشف ج 2 ص 480 .