سيد محمد طنطاوي

499

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

سأفعل هذا الشيء غدا بإذن اللَّه ومشيئته ، فإن كل حركة من حركاتك - ومن حركات غيرك - مرهونة بمشيئة اللَّه - تعالى - وإرادته ، وما يتعلق بمستقبلك ومستقبل غيرك من شؤون ، هو في علم اللَّه - تعالى - وحده . وليس المقصود من الآية الكريمة نهى الإنسان عن التفكير في أمر مستقبله ، وإنما المقصود نهيه عن الجزم بما سيقع في المستقبل ، لأن ما سيقع علمه عند اللَّه - تعالى - وحده . والعاقل من الناس هو الذي يباشر الأسباب التي شرعها اللَّه - تعالى - سواء أكانت هذه الأسباب تتعلق بالماضي أم بالحاضر أم بالمستقبل ، ثم يقرن كل ذلك بمشيئة اللَّه - تعالى - وإرادته . فلا يقول : سأفعل غدا كذا وكذا لأننى أعددت العدة لذلك ، وإنما يقول : سأفعل غدا كذا وكذا إذا شاء اللَّه - تعالى - ذلك وأراد ، وأن يوقن بأن إرادة اللَّه فوق إرادته ، وتدبيره - سبحانه - فوق كل تدبير . وكم من أمور أعد الإنسان لها أسبابها التي تؤدى إلى قضائها . . ثم جاءت إرادة اللَّه - تعالى - فغيرت ما أعده ذلك الإنسان ، لأنه لم يستشعر عند إعداده للأسباب أن . إرادة اللَّه - تعالى - فوق إرادته ، وأنه - سبحانه - القادر على خرق هذه الأسباب ، وخرق ما تؤدى إليه ، ولأنه لم يقل عندما يريد فعله في المستقبل ، إن شاء اللَّه . وقوله : * ( واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ) * تأكيد لما قبله أي : لا تقولن أفعل غدا إلا ملتبسا بقول : إن شاء اللَّه ، واذكر ربك - سبحانه - إذا نسيت تعليق القول بالمشيئة ، أي : عند تذكرك بأنك لم تقرن قولك بمشيئة اللَّه ، فأت بها . قال الآلوسي : قوله * ( واذْكُرْ رَبَّكَ ) * أي : مشيئة ربك ، فالكلام على حذف مضاف ، إذا نسيت ، أي : إذا فرط منك نسيان ذلك ثم تذكرته . فهو أمر بالتدارك عند التذكر . . « 1 » . وقال بعض العلماء ما ملخصه : للمفسرين في تفسير قوله - تعالى - : * ( واذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ ) * قولان : الأول - أن هذه الجملة مرتبطة ومتعلقة بما قبلها : والمعنى : إنك إن قلت سأفعل غدا كذا ونسيت أن تقول إن شاء اللَّه ، ثم تذكرت بعد ذلك فقل : إن شاء اللَّه .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 249 .