سيد محمد طنطاوي
481
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى الثالث : أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى اللَّه - تعالى - ومنابذة الناس ، كما تقول : قام فلان إلى أمر كذا ، إذا عزم عليه بغاية الجد « 1 » . وعلى أية حال فالجملة الكريمة تفيد أن هؤلاء الفتية كانت قلوبهم ثابتة راسخة ، مطمئنة إلى الحق الذي اهتدت إليه ، معتزة بالإيمان الذي أشربته ، مستبشرة بالإخاء الذي جمع بينها على غير ميعاد ، وصدق رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم إذ يقول : « الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن استقر الإيمان في نفوسهم فقال : * ( فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِه إِلهاً . . ) * . أي : أعلنوا براءتهم من كل خضوع لغير اللَّه - عز وجل - حين قاموا في وجه أعدائهم ، وقالوا بكل شجاعة وجرأة : ربنا - سبحانه - هو رب السماوات والأرض ، وهو خالقهما وخالق كل شيء ، ولن نعبد سواه أي معبود آخر . ونفوا عبادتهم لغيره - سبحانه - بحرف - « لن » للإشعار بتصميمهم على ذلك في كل زمان وفي كل مكان ، إذ النفي بلن أبلغ من النفي بغيرها . قال الآلوسي : وقد يقال إنهم أشاروا بالجملة الأولى - وهي : ربنا رب السماوات والأرض - إلى توحيد الربوبية ، وأشاروا بالجملة الثانية - لن ندعو من دونه إلها - إلى توحيد الألوهية ، وهما أمران متغايران ، وعبدة الأوثان لا يقولون بهذا ، ويقولون بالأول : ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه وحكى - سبحانه - عنهم أنهم يقولون : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّه زُلْفى وصح أنهم كانوا يقولون : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك « 2 » . وقوله - سبحانه - * ( لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ) * تأكيد لبراءتهم من كل عبادة لغير اللَّه - تعالى - . والشطط : مصدر معناه مجاوزة الحد في كل شيء ، ومنه : أشط فلان في السّوم إذا جاوز الحد ، وأشط في الحكم إذا جاوز حدود العدل : وهو صفة لموصوف محذوف ، وفي الكلام قسم مقدر ، واللام في « لقد » واقعة في جوابه ، و « إذا » حرف جواب وجزاء فتدل على شرط مقدر .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 365 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 219 .