سيد محمد طنطاوي
482
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : ربنا رب السماوات والأرض ، لن ندعو من دونه إلها . ولو فرض أننا دعونا وعبدنا من دونه إلها آخر ، واللَّه لنكونن في هذه الحالة قد قلنا إذا قولا شططا ، أي : بعيدا بعدا واضحا عن دائرة الحق والصواب . والآية الكريمة تدل على قوة إيمان هؤلاء الفتية ، وعلى أن من كان كذلك ثبت اللَّه - تعالى - قلبه ، وقواه على تحمل الشدائد ، كما تدل على أن من أشرك مع اللَّه - تعالى - إلها آخر ، يكون بسبب هذا الإشراك ، قد جاء بأمر شطط بعيد كل البعد عن الحق والصواب وصدق اللَّه إذ يقول : ومَنْ يُشْرِكْ بِاللَّه فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُه الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِه الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ « 1 » . ثم حكى - سبحانه - عن هؤلاء الفتية أنهم لم يكتفوا بإعلان إيمانهم الصادق ، بل أضافوا إلى ذلك استنكارهم لما عليه قومهم من شرك فقال : * ( هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِه آلِهَةً لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ . . ) * . و « هؤلاء » مبتدأ ، و « قومنا » عطف بيان ، وجملة « اتخذوا من دونه آلهة » هي الخبر . و « لولا » للتحضيض ، وهو الطلب بشدة والمقصود بالتحضيض هنا : الإنكار والتعجيز ، إذ من المعلوم أن قومهم لن يستطيعوا أن يقيموا الدليل على صحة ما هم عليه من شرك . والمراد بالسلطان البين : الحجة الواضحة . أي : أن أولئك الفتية بعد أن اجتمعوا ، وتعاهدوا على عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، ونبذ الشرك والشركاء قالوا على سبيل الإنكار والاحتقار لما عليه قومهم : هؤلاء قومنا بلغ بهم السفه والجهل ، أنهم اتخذوا مع اللَّه - تعالى - أصناما يشركونها معه في العبادة ، هلا أتى هؤلاء السفهاء بحجة ظاهرة تؤيد دعواهم بأن هذه الأصنام تصلح آلهة لا شك أنهم لن يستطيعوا ذلك . قال صاحب الكشاف وقوله : * ( لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ ) * تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على صحة عبادة الأوثان محال ، وهو دليل على فساد التقليد ، وأنه لا بد في الدين من حجة حتى يصح ويثبت « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الحج الآية 31 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 474 .