سيد محمد طنطاوي

476

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والرشد : الاهتداء إلى الطريق المستقيم مع البقاء عليه . وهو ضد الغي . يقال : رشد فلان يرشد رشدا ورشادا ، إذا أصاب الحق . أي : واذكر - أيها الرسول الكريم - للناس ليعتبروا ، وقت أن خرج هؤلاء الفتية من مساكنهم ، تاركين كل شيء خلفهم من أجل سلامة عقيدتهم فالتجأوا إلى الكهف ، واتخذوه مأوى لهم ، وتضرعوا إلى خالقهم قائلين : يا ربنا آتنا من لدنك رحمة ، تهدى بها قلوبنا ، وتصلح بها شأننا ، وتردّيها الفتن عنا ، كما نسألك يا ربنا أن تهيئ لنا من أمرنا الذي نحن عليه - وهو : فرارنا بديننا . وثباتنا على إيماننا - ما يزيدنا سدادا وتوفيقا لطاعتك . وقال - سبحانه - : * ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ . . ) * بالإظهار - مع أنه قد سبق الحديث عنهم بأنهم أصحاب الكهف لتحقيق ما كانوا عليه من فتوة ، وللتنصيص على وصفهم الدال على قلتهم ، وعلى أنهم شباب في مقتبل أعمارهم ، ومع ذلك ضحوا بكل شيء في سبيل عقيدتهم . والتعبير بالفعل * ( أَوَى ) * يشعر بأنهم بمجرد عثورهم على الكهف . ألقوا رحالهم فيه واستقروا به استقرار من عثر على ضالته ، وآثروه على مساكنهم المريحة ، لأنه واراهم عن أعين القوم الظالمين . والتعبير بالفاء في قوله - سبحانه - * ( فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً . . ) * يدل على أنهم بمجرد استقرارهم في الكهف ابتهلوا إلى اللَّه - تعالى - بهذا الدعاء الجامع لكل خير . والتنوين في قوله : * ( رَحْمَةً ) * : للتهويل والتنويع . أي : آتنا يا ربنا من عندك وحدك لا من غيرك . رحمة عظيمة شاملة لجميع أحوالنا وشئوننا . فهي تشمل الأمان في المنزل ، والسعة في الرزق والمغفرة للذنب . قال القرطبي ما ملخصه : هذه الآية صريحة في الفرار بالدين وهجرة الأهل والأوطان . . خوف الفتنة ، ورجاء السلامة بالدين والنجاة من فتنة الكافرين . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما حدث لهؤلاء الفتية بعد أن لجئوا إلى الكهف ، وبعد أن دعوا اللَّه بهذا الدعاء الشامل لكل خير . فقال : * ( فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً ) * . وأصل الضرب في كلام العرب يرجع إلى معنى التقاء ظاهر جسم ، بظاهر جسم آخر بشدة .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 10 ص 360 .