سيد محمد طنطاوي

477

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يقال : ضرب فلان بيده الأرض إذا ألصقها بها بشدة ، وتفرعت عن هذا المعنى معان أخرى ترجع إلى شدة اللصوق . والمراد بالضرب هنا النوم الطويل الذي غشاهم اللَّه - تعالى - به فصاروا لا يحسون شيئا مما حولهم ، ومفعول ضربنا محذوف . والمعنى : بعد أن استقر هؤلاء الفتية في الكهف ، وتضرعوا إلينا بهذا الدعاء العظيم ، ضربنا على آذانهم وهم في الكهف حجابا ثقيلا مانعا من السماع ، فصاروا لا يسمعون شيئا يوقظهم ، واستمروا في نومهم العميق هذا * ( سِنِينَ ) * ذات عدد كثير ، بينها - سبحانه - بعد ذلك في قوله : ولَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً . وخص - سبحانه - الآذان بالضرب ، مع أن مشاعرهم كلها كانت محجوبة عن اليقظة ، لأن الآذان هي الطريق الأول للتيقظ . ولأنه لا يثقل النوم إلا عندما تتعطل وظيفة السمع . وقد ورد أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم عندما علم أن رجلا لا يستيقظ مبكرا أن قال في شأنه : « ذلك رجل قد بال الشيطان في أذنه » أي : فمنعها من التبكير واليقظة قبل طلوع الشمس . والتعبير بالضرب - كما سبق أن أشرنا - للدلالة على قوة المباشرة ، وشدة اللصوق واللزوم ، ومنه قوله تعالى - وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والْمَسْكَنَةُ أي : التصقتا بهم التصاقا لا فكاك لهم منه ، ولا مهرب لهم عنه . ثم بين - سبحانه - ما حدث لهم بعد هذا النوم الطويل فقال : * ( ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً ) * . وأصل البعث في اللغة : إثارة الشيء من محله وتحريكه بعد سكون . ومنه قولهم : بعث فلان الناقة - إذا أثارها من مبركها للسير ، ويستعمل بمعنى الإيقاظ وهو المقصود هنا من قوله : * ( بَعَثْناهُمْ ) * أي : أيقظناهم بعد رقادهم الطويل . وقوله * ( لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ ) * بيان للحكمة التي من أجلها أيقظهم اللَّه من نومهم . وكثير من المفسرين على أن الحزبين أحدهما : أصحاب الكهف والثاني : أهل المدينة الذين أيقظ اللَّه أهل الكهف من رقادهم في عهدهم ، وكان عندهم معرفة بشأنهم . وقيل : هما حزبان من أهل المدينة الذين بعث هؤلاء الفتية في زمانهم ، إلا أن أهل هذه المدينة كان منهم حزب مؤمن وآخر كافر . وقيل : هما حزبان من المؤمنين كانوا موجودين في زمن بعث هؤلاء الفتية ، وهذان الحزبان اختلفوا فيما بينهم في المدة التي مكثها هؤلاء الفتية رقودا .