سيد محمد طنطاوي
451
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وكرر - سبحانه - خرورهم على وجوههم ساجدين للَّه - تعالى - لاختلاف السبب ، فهم أولا أسرعوا بالسجود للَّه تعظيما له - سبحانه - وشكرا له على إنجازه لوعده . وهم ثانيا أسرعوا بالسجود ، لفرط تأثرهم بمواعظ القرآن الكريم . فأنت ترى هاتين الآيتين قد أمرتا النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالإعراض عن المشركين ، وباحتقارهم وبازدراء شأنهم ، فإن الذين هم خير منهم وأفضل وأعلم قد آمنوا . وفي ذلك ما فيه من التسلية لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فكأن اللَّه - تعالى - يقول له : يا محمد تسلّ عن إيمان هؤلاء الجهلاء ، بإيمان العلماء . هذا ، وقد أخذ العلماء من هاتين الآيتين أن البكاء من خشية اللَّه ، يدل على صدق الإيمان ، وعلى نقاء النفس ، ومن الأحاديث التي وردت في فضل ذلك ، ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « عينان لا تمسهما النار : عين بكت من خشية اللَّه ، وعين باتت تحرس في سبيل اللَّه » . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بآيتين دالتين على تفرده - سبحانه - بالتقديس والتعظيم والتمجيد والعبادة ، فقال - تعالى - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 110 إلى 111 ] قُلِ ادْعُوا اللَّه أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه الأَسْماءُ الْحُسْنى ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها وابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا ( 110 ) وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ولَمْ يَكُنْ لَه شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ولَمْ يَكُنْ لَه وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وكَبِّرْه تَكْبِيراً ( 111 ) ذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - : * ( قُلِ ادْعُوا اللَّه أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَه الأَسْماءُ الْحُسْنى . . ) * ذكروا روايات منها : ما أخرجه ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال : وصلَّى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا اللَّه - تعالى - فقال : يا اللَّه ، يا رحمن ، فقال المشركون : انظروا إلى هذا الصابئ ينهانا أن ندعو إلهين وهو يدعو