سيد محمد طنطاوي

450

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( ونَزَّلْناه تَنْزِيلًا ) * أي : ونزلناه تنزيلا مفرقا منجما عليك يا محمد في مدة تصل إلى ثلاث وعشرين سنة ، على حسب ما تقتضيه حكمتنا ، وعلى حسب الحوادث والمصالح ، وليس من أجل تيسير حفظه فحسب . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يخاطب المشركين بما يدل على هوان شأنهم . وعلى عدم المبالاة بهم ، فقال - تعالى - : * ( قُلْ آمِنُوا بِه أَوْ لا تُؤْمِنُوا ، إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِه إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ سُجَّداً . . . ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين . الذين طلبوا منك ما هو خارج عن رسالتك ، والذين وصفوا القرآن بأنه أساطير الأولين : قل لهم : آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا به ، لأن إيمانكم به ، لا يزيده كمالا ، وعدم إيمانكم به لا ينقص من شأنه شيئا ، فإن علماء أهل الكتاب الذين آتاهم اللَّه العلم قبل نزول هذا القرآن ، وميزوا بين الحق والباطل ، كانوا إذا تلى عليهم هذا القرآن ، - كأمثال عبد اللَّه بن سلام وأصحابه « يخرون للأذقان سجدا » أي : يسقطون على وجوههم ساجدين للَّه - تعالى - شكرا له على إنجاز وعده ، بإرسالك - أيها الرسول الكريم - وبإنزال القرآن عليك ، كما وعد بذلك - سبحانه - في كتبه السابقة . فالجملة الكريمة : * ( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ . . ) * تعليل لعدم المبالاة بهؤلاء المشركين الجاهلين ، والضمير في قوله : * ( مِنْ قَبْلِه ) * يعود إلى القرآن الكريم . وقوله : * ( يَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ سُجَّداً ) * يدل على قوة إيمانهم ، وعلى سرعة تأثرهم بهذا القرآن ، فهم بمجرد تلاوته عليهم ، يسقطون على وجوههم ساجدين للَّه - تعالى - . وخصت الأذقان بالذكر ، لأن الذقن أول جزء من الوجه يقرب من الأرض عند السجود ، ولأن ذلك يدل على نهاية خضوعهم للَّه - تعالى - وتأثرهم بسماع القرآن الكريم : ثم حكى - سبحانه - ما يقولونه في سجودهم فقال : * ( ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا ) * . أي : ويقولون في سجودهم ، ننزه ربنا - عز وجل - عن كل ما يقوله الجاهلون بشأنه ، إنه - تعالى - كان وعده منجزا ومحققا لا شك في ذلك . ثم كرر - سبحانه - مدحه لهم فقال : * ( ويَخِرُّونَ لِلأَذْقانِ يَبْكُونَ ، ويَزِيدُهُمْ ) * أي سماع القرآن * ( خُشُوعاً ) * وخضوعا للَّه - عز وجل .