سيد محمد طنطاوي
445
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويجوز أن يكون قوله * ( مَسْحُوراً ) * بمعنى ساحر ، فيكون المعنى : إني لأطنك يا موسى ساحرا ، عليما بفنون السحر فقد أتيت بأشياء عجيبة يشير بذلك إلى انقلاب العصا حية بعد أن ألقاها - عليه السلام - . وهذا شأن الطغاة في كل زمان ومكان ، عندما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم ، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم . . . يرمون أهله - زورا وبهتانا - بكل نقيصة . وعند ما يحكى القرآن الكريم ما رد به موسى على فرعون فيقول : * ( قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ بَصائِرَ ) * . أي : قال موسى لفرعون ردا على كذبه وافترائه : لقد علمت يا فرعون أنه ما أوجد هذه الآيات التسع إلا اللَّه - تعالى - خالق السماوات والأرض ، وقد أوجدها - سبحانه - بصورة واضحة جلية ، حتى لكأتها البصائر في كشفها للحقائق وتجليتها . فقوله * ( بَصائِرَ ) * حال من * ( هؤُلاءِ ) * أي : أنزل هذه الآيات حال كونها بينات واضحات تدلك على صدقي . وفي هذا الرد توبيخ لفرعون على تجاهله الحقائق ، حيث كان يعلم علم اليقين أن موسى - عليه السلام - ليس مسحورا ولا ساحرا ، وأن الآيات التي جاء بها إنما هي من عند اللَّه - تعالى - ، كما قال - سبحانه - : مخاطبا موسى : وأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ، فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِه ، إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ . فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً ، قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ . وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وعُلُوًّا ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ « 1 » . وقوله : * ( وإِنِّي لأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) * توبيخ آخر لفرعون ، وتهديد له لأنه وصف نبيا من أنبياء اللَّه - تعالى - بأنه مسحور . ومثبورا بمعنى مهلك مدمر . يقال : ثبر اللَّه - تعالى - الظالم يثبره ثبورا ، إذا أهلكه . أو بمعنى مصروفا عن الخير . مطبوعا على الشر من قولهم : ما ثبرك يا فلان عن هذا الأمر ؟ أي : ما الذي صرفك ومنعك عنه . والظن هنا بمعنى اليقين ، والمعنى : وإني لأعتقد يا فرعون أن مصيرك إلى الهلاك والتدمير ،
--> ( 1 ) سورة النمل الآيات 12 - 14 .