سيد محمد طنطاوي

446

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بسبب إصرارك على الكفر والطغيان ، من بعد إتيانى بالمعجزات الدالة على صدقي فيما أبلغه عن ربي الذي خلقني وخلقك وخلق كل شيء . ثم حكى القرآن بعد ذلك ما هم به فرعون ، بعد أن أخرسه موسى - عليه السلام - بقوة حجته ، وثبات جنانه فقال : * ( فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الأَرْضِ ) * . . والاستفزاز : الإزعاج والاستخفاف ، والمراد - به هنا : الطرد والقتل . والضمير المنصوب في * ( يَسْتَفِزَّهُمْ ) * يعود إلى موسى وقومه بني إسرائيل . أي : فأراد فرعون بعد أن وبخه موسى وهدده ، أن يطرده وقومه من أرض مصر التي يسكنون معه فيها . وأن يقطع دابرهم ، كما أشار إلى ذلك - سبحانه - في قوله : وقالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وقَوْمَه لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ « 1 » . ثم حكى - سبحانه - ما ترتب على ما أراده فرعون من استفزاز لموسى وقومه فقال : * ( فَأَغْرَقْناه ومَنْ مَعَه جَمِيعاً . وقُلْنا مِنْ بَعْدِه لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ . . . ) * . أي : أراد فرعون أن يطرد موسى وقومه من أرض مصر ، وأن يهلكهم . . فكانت النتيجة أن عكسنا عليه مكره وبغيه ، حيث أهلكناه هو وجنده بالغرق ، دون أن نستثنى منهم أحدا . وقلنا من بعد هلاكه لبنى إسرائيل على لسان نبينا موسى - عليه السلام - : اسكنوا الأرض التي أراد أن يستفزكم منها فرعون وهي أرض مصر . قال الآلوسي : وهذا ظاهر إن ثبت أنهم دخلوها بعد أن خرجوا منها ، وبعد أن أغرق اللَّه فرعون وجنده . وإن لم يثبت فالمراد من بني إسرائيل ذرية أولئك الذين أراد فرعون استفزازهم ، واختار غير واحد أن المراد من الأرض . الأرض المقدسة ، وهي أرض الشام « 2 » . وعلى أية حال فالآية الكريمة تحكى سنة من سنن اللَّه - تعالى - في إهلاك الظالمين ، وفي توريث المستضعفين الصابرين أرضهم وديارهم . ورحم اللَّه الإمام ابن كثير ، فقد قال عند تفسيره لهذه الآية . وفي هذا بشارة لمحمد صلى اللَّه عليه وسلم بفتح مكة . مع أن هذه السورة نزلت قبل الهجرة ، وكذلك وقع ، فإن أهل مكة هموا

--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 127 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 186 .