سيد محمد طنطاوي

438

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - عز وجل - : * ( ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وقالُوا : أَإِذا كُنَّا عِظاماً ورُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ) * بيان للأسباب التي أفضت بهم إلى تلك العاقبة السيئة . أي : ذلك الذي نزل بهم من العذاب الشديد ، المتمثل في حشرهم على وجوههم وفي اشتعال النار بهم ، سببه أنهم كفروا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وقالوا بإنكار وجهالة : أإذا كنا عظاما نخرة ، ورفاتا أي وصارت أجسادنا تشبه التراب في تفتتها وتكسرها ، أإنا بعد ذلك لمعادون إلى الحياة ومبعوثون على هيئة خلق جديد . فالآية الكريمة تحكى تصميمهم على الكفر ، وإنكارهم للبعث والحساب إنكارا لا مزيد عليه ، لذا كانت عقوبتهم شنيعة ، وعذابهم أليما . فقد سلط اللَّه - تعالى - عليهم النار تأكل أجزاءهم ، وكلما سكن لهيبها ، أعادها اللَّه - تعالى - ملتهبة مشتعلة على جلود أخرى لهم ، كما قال - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً ، كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ . . . « 1 » ثم رد - سبحانه - على ما استنكروه من شأن البعث ردا يقنع كل ذي عقل سليم ، فقال - تعالى - * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ . . . ) * . والهمزة للاستفهام التوبيخي ، وهي داخلة على محذوف ، والمراد بمثلهم إياهم ، فيكون المعنى : أعموا عن الحق ، ولم يعلموا كما يعلم العقلاء ، أن اللَّه - تعالى - الذي خلق السماوات والأرض بقدرته ، وهما أعظم من خلق الناس ، قادر على إعادتهم إلى الحياة مرة أخرى بعد موتهم ، لكي يحاسبهم على أعمالهم في الدنيا . إن عدم علمهم بذلك ، وإنكارهم له ، لمن أكبر الأدلة على جهلهم وانطماس بصيرتهم ، لأن من قدر على خلق ما هو أعظم وأكبر - وهو السماوات والأرض فهو على إعادة ما هو دونه - وهو الناس - أقدر . قال الشيخ الجمل ما ملخصه : قوله : * ( أَولَمْ يَرَوْا . . ) * هذا رد لإنكارهم البعث ، ولما استبعدوه من شأنه ، يعنى أن من خلق السماوات والأرض ، كيف يستبعد منه أن يقدر على إعادتهم بأعيانهم . . وأراد - سبحانه - . . بمثلهم : إياهم ، فعبر عن خلقهم بلفظ المثل كقول المتكلمين : إن الإعادة مثل الابتداء ، وذلك أن مثل الشيء مساو له في حاله ، فجاز أن يعبر به عن الشيء نفسه يقال : مثلك لا يفعل كذا ، أي : أنت لا تفعله . ويجوز أن يكون المعنى أنه - سبحانه - قادر على أن يخلق عبيدا غيرهم يوحدونه ويقرون

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 56 .