سيد محمد طنطاوي

439

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بكمال حكمته ، ويتركون هذه الشبهات الفاسدة ، كما في قوله - تعالى - وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ، ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ والأول أشبه بما قبله « 1 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ، بَلى إِنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 2 » . وقوله - سبحانه - : أَولَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ، بَلى وهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ . . . « 3 » . وبعد أن أقام - سبحانه - الدليل الواضح على أن البعث حق ، وعلى أن إعادة الناس إلى الحياة بعد موتهم أمر ممكن ، أتبع ذلك ببيان أن لهذه الإعادة وقتا معلوما يجريه حسب حكمته - تعالى - فقال : * ( وجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيه ) * . أي : وجعل لهم ميقاتا محددا لا شك في حصوله ، وعند حلول هذا الميقات يخرجون من قبورهم للحساب والجزاء ، كما قال - تعالى - : وما نُؤَخِّرُه إِلَّا لأَجَلٍ مَعْدُودٍ . يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِه ، فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ « 4 » . والجملة الكريمة وهي قوله : * ( وجَعَلَ لَهُمْ . . . ) * معطوفة على قوله * ( أَولَمْ يَرَوْا . . ) * لأنه في قوة قولك قد رأوا وعلموا . قال صاحب الكشاف : فإن قلت علام عطف قوله : * ( وجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا ) * ؟ قلت : على قوله : * ( أَولَمْ يَرَوْا ) * لأن المعنى : قد علموا بدليل العقل ، أن من قدر على خلق السماوات والأرض ، فهو قادر على خلق أمثالهم من الإنس لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن ، كما قال : أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ « 5 » . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً ) * بيان لإصرارهم على جحود الحق مع علمهم بأنه حق . أي : فأبى هؤلاء الظالمون المنكرون للبعث ، إلا جحودا له وعنادا لمن دعاهم إلى الإيمان به ، شأن الجاهلين المغرورين الذين استحبوا العمى على الهدى .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 651 . ( 2 ) سورة الأحقاف الآية 33 . ( 3 ) سورة يس الآية 81 . ( 4 ) سورة هود الآيتان 104 ، 105 . ( 5 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 467 .