سيد محمد طنطاوي

429

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والتعريف في لفظ * ( الأَرْضِ ) * للعهد ، لأن المراد بها أرض مكة . وعبر بكلمة * ( يَنْبُوعاً ) * للإشعار بأنهم لا يريدون من الماء ما يكفيهم فحسب ، وإنما هم يريدون ماء كثيرا لا ينقص في وقت من الأوقات ، إذ الياء زائدة للمبالغة . وقوله - سبحانه - : * ( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً ) * بيان لاقتراح آخر من مقترحاتهم السخيفة . والمعنى : أو تكون لك بصفة خاصة يا محمد ، * ( جَنَّةٌ ) * أي : حديقة ملتفة الأغصان ، مشتملة على الكثير من أشجار النخيل والأعناب : تجرى الأنهار في وسطها جريا عظيما هائلا . . وخصوا النخيل والأعناب بالذكر - كما حكى القرآن عنهم - ، لأن هذين الصنفين يعتبران من أهم الثمار عندهم ، ولأنهما على رأس الزروع المنتشرة في أراضيهم ، والتي لها الكثير من الفوائد . وقوله : * ( خِلالَها ) * منصوب على الظرفية ، لأنه بمعنى وسطها وبين ثناياها . والتنوين في قوله * ( تَفْجِيراً ) * للتكثير ، أي : تفجيرا كثيرا زاخرا ، بحيث تكون تلك الجنة الخاصة بك ، غنية بالمياه التي تنفعها وترويها . وقوله - عز وجل - : * ( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً . . . ) * اقتراح ثالث من مقترحاتهم الفاسدة . ولفظ * ( كِسَفاً ) * أي : قطعا جمع كسفة - بكسر الكاف وسكون السين ، يقال : كسفت الثوب أي : قطعته وهو حال من السماء ، والكاف في قوله : * ( كَما ) * صفة لموصوف محذوف . والمعنى : أو تسقط أنت علينا السماء إسقاطا مماثلا لما هددتنا به ، من أن في قدرة ربك - عز وجل - أن ينزل علينا عذابا متقطعا من السماء . ولعلهم يعنون بذلك قوله - تعالى - : أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ . . . « 1 » . وقيل : يعنون بذلك ، أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء ، فعجل لنا ذلك في

--> ( 1 ) سورة سبأ الآية 9 .