سيد محمد طنطاوي
430
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الدنيا ، وأسقطها علينا ، كما حكى عنهم القرآن ذلك في قوله - تعالى - وإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . . . « 1 » . فهم يتعجلون العذاب ، والرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، يرجو لهم من اللَّه - تعالى - الرحمة والهداية وتأخير العذاب عنهم ، لعله - سبحانه - أن يخرج من أصلابهم من يخلص له العبادة والطاعة . وقوله - تعالى - * ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّه والْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ) * تسجيل لمطلب رابع من مطالبهم القبيحة . قال الآلوسي : * ( قَبِيلًا ) * أي : مقابلا ، كالعشير والمعاشر ، وأرادوا - كما جاء عن ابن عباس - عيانا . وهذا كقولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا ، وفي رواية أخرى عنه وعن الضحاك تفسير القبيل بالكفيل ، أي : كفيلا بما تدعيه . يعنون شاهدا يشهد لك بصحة ما قلته . وهو على الوجهين حال من لفظ الجلالة . . وعن مجاهد : القبيل الجماعة كالقبيلة ، فيكون حالا من الملائكة - أي : أو تأتى باللَّه وبالملائكة قبيلة قبيلة « 2 » . ثم حكى - سبحانه - بقية مطالبهم التي لا يقرها عقل سليم فقال : * ( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) * . أي : من ذهب ، والزخرف يطلق في الأصل على الزينة ، وأطلق هنا على الذهب لأن الذهب أثمن ما يتزين به في العادة . * ( أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ ) * أي : تصعد إليها . يقال : رقى فلان في السلم يرقى رقيا ورقيا أي صعد ، * ( ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ) * وصعودك إليها مع مشاهدتنا لذلك * ( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا ) * منها * ( كِتاباً نَقْرَؤُه ) * ونفهم ما فيه ، أي : يكون هذا الكتاب بلغتنا التي نفهمها وبأسلوب مخاطباتنا ، وفيه ما يدل دلالة قاطعة على أنك رسول من عند اللَّه - تعالى - ، وما يدعونا إلى الإيمان بك . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بأن أمر نبيه محمدا صلى اللَّه عليه وسلم بأن يرد عليهم بما يخرس ألسنتهم ، فقال : * ( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ) * .
--> ( 1 ) سورة الأنفال من 32 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 169 .