سيد محمد طنطاوي
418
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
- تعالى - : * ( وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ ونَأى بِجانِبِه ، وإِذا مَسَّه الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ) * . أي : * ( وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ ) * بنعمة الصحة والغنى وما يشبههما مما يسره ويبهجه * ( أَعْرَضَ ) * عن طاعتنا وشكرنا * ( ونَأى بِجانِبِه ) * أي : وابتعد عنا ، وولانا ظهره والنأى : البعد ، يقال : مكان ناء ، أي بعيد ، ونأى فلان عن الشيء نأيا : إذا ابتعد عنه . وقوله - تعالى - : * ( نَأى بِجانِبِه ) * تأكيد للإعراض ، لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه ، والنأى بالجانب : أن يلوى عنه عطفه ، ويوليه ظهره ، ويظهر الاستكبار والغرور . وقوله - تعالى - : * ( وإِذا مَسَّه الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ) * أي : وإذا مس الشر هذا الإنسان من فقر أو مرض ، كان يئوسا وقنوطا من رحمه اللَّه - تعالى - . فهو في حالة الصحة والغنى يبطر ويتكبر ويطغى . وفي حالة الفقر والمرض ييئس ويقنط ويستولى عليه الحزن والهم . والمراد بالإنسان هنا جنسه ، إذ ليس جميع الناس على هذه الحالة ، وإنما منهم المؤمنون الصادقون الذين يشكرون اللَّه - تعالى - على نعمه ، ويذكرونه ويطيعونه في السراء والضراء . قال - تعالى - : ولَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْه إِنَّه لَيَؤُسٌ كَفُورٌ . ولَئِنْ أَذَقْناه نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْه لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّه لَفَرِحٌ فَخُورٌ . إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وأَجْرٌ كَبِيرٌ « 1 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد استثنى الذين صبروا وعملوا الصالحات ، من رذيلة الجحود عند اليسر ، واليأس عند العسر . قال الآلوسي ما ملخصه : والمراد بالإنسان في قوله - تعالى - * ( وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ أَعْرَضَ ونَأى بِجانِبِه . . . ) * جنسه ، إذ يكفى في صحة الحكم وجوده في بعض الأفراد ، ولا يضر وجود نقيض في البعض الآخر ، وقيل : المراد به الوليد بن المغيرة « . وفي إسناد المساس إلى الشر بعد إسناد الإنعام إلى ضميره - تعالى - إيذان بأن الخير مراد بالذات ، والشر ليس كذلك لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكرم المطلق ، والرحمة الواسعة ، وإلى
--> ( 1 ) سورة هود الآيات من 9 - 11 .