سيد محمد طنطاوي
419
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ذلك الإشارة بقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك » « 1 » . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : لا يَسْأَمُ الإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وإِنْ مَسَّه الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ « 2 » . وقوله - سبحانه - : وإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها ، وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ « 3 » . ثم بين - سبحانه - أنه لا يخفى عليه شيء من أحوال الناس وأعمالهم فقال : * ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ) * . والتنوين في قوله * ( كُلٌّ ) * عوض عن المضاف إليه . أي : كل فرد . وقوله : * ( شاكِلَتِه ) * : أي : طريقته ومذهبه الذي يشاكل ويناسب حاله في الهداية أو الضلالة . مأخوذ من قولهم : طريق ذو شواكل ، وهي الطرق التي تتشعب منه وتتشابه معه في الشكل ، فسميت عادة المرء بها ، لأنها تشاكل حاله . قال القرطبي قوله * ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِه ) * قال ابن عباس : على ناحيته . وقال مجاهد : على طبيعته . وقال قتادة : على نيته وقال ابن زيد : على دينه . وقال الفراء : على طريقته ومذهبه الذي جبل عليه . . وقيل : هو مأخوذ من الشكل . يقال : لست على شكلي ولا شاكلتى . فالشكل : هو المثل والنظير ، كقوله - تعالى - : وآخَرُ مِنْ شَكْلِه أَزْواجٌ . والشكل - بكسر الشين - الهيئة . يقال : جارية حسنة الشكل . أي الهيئة . وهذه الأقوال كلها متقاربة « 4 » . والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - للناس : كل واحد منكم - أيها الناس - يعمل على شاكلته وطريقته التي تشاكل حاله ، وتناسب اتجاهه ، وتتلاءم مع سلوكه وعقيدته ، فربكم
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 147 . ( 2 ) سورة فصلت الآية 49 . ( 3 ) سورة الروم الآية 36 . ( 4 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 322 .