سيد محمد طنطاوي
412
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
إلا وهو تحت لوائه صلى اللَّه عليه وسلم ، فقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : إن الشمس لتدنو حتى يبلع العرق نصف الأذن ، فبينما هم كذلك ، استغاثوا بآدم ، فيقول : لست بصاحب ذلك ، ثم موسى فيقول كذلك . ثم محمد فيشفع فيقضى اللَّه - تعالى - بين الخلق ، فيمشى صلى اللَّه عليه وسلم حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه اللَّه - تعالى - مقاما محمودا ، يحمده أهل الجمع كلهم » « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم بأن يكثر من اللجوء إليه عن طريق الدعاء ، بعد أن أمره بذلك عن طريق المداومة على الصلاة ، فقال - تعالى - : * ( وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ، وأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ، واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) * . والمدخل والمخرج - يضم الميم فيهما - مصدران بمعنى الإدخال والإخراج ، فهما كالمجرى والمرسى وإضافتهما إلى الصدق من إضافة الموصوف لصفته . قال الآلوسي : واختلف في تعيين المراد من ذلك ، فأخرج الزبير بن بكار عن زيد بن أسلم ، أن المراد : بالإدخال : دخول المدينة ، وبالإخراج : الخروج من مكة ، ويدل عليه ما أخرجه أحمد ، والطبراني ، والترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه ، وجماعة ، عن ابن عباس قال : كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم بمكة ، ثم أمر بالهجرة ، فأنزل اللَّه - تعالى - عليه هذه الآية . وبدأ بالإدخال لأنه الأهم . . . ثم قال : والأظهر أن المراد إدخاله - عليه الصلاة والسلام - إدخالا مرضيا في كل ما يدخل فيه ويلابسه من مكان أو أمر ، وإخراجه - من كل ما يخرج منه خروجا مرضيا - كذلك - ، فتكون الآية عامة في جميع الموارد والمصادر . . . » « 2 » . ويبدو لنا أن المعنى الذي أشار إليه الآلوسي - رحمه اللَّه - بأنه الأظهر ، هو الذي تسكن إليه النفس ، ويدخل فيه غيره دخولا أوليا ، ويكون المعنى : وقل - أيها الرسول الكريم - متضرعا إلى ربك : يا رب أدخلني إدخالا مرضيا صادقا في كل ما أدخل فيه من أمر أو مكان ، وأخرجني كذلك إخراجا طيبا صادقا من كل أمر أو مكان . والمراد بالسلطان في قوله - تعالى - : * ( واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) * الحجة البينة الواضحة التي تقنع العقول ، والقوة الغالبة التي ترهب المبطلين .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 15 ص 140 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 143 .