سيد محمد طنطاوي

413

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : واجعل لي - يا إلهي - من عندك حجة تنصرني بها على من خالفني ، وقوة تعينني بها على إقامة دينك ، وإزالة الشرك والكفر . وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : قوله : * ( واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) * أي : حجة تنصرني على من خالفني ، أو ملكا وعزا قويا ناصرا للإسلام على الكفر ، مظهرا له عليه ، فأجيبت دعوته بقوله : واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّه هُمُ الْغالِبُونَ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّه لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ . ووعده لينزعن ملك فارس والروم فيجعله له . وعنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه استعمل « عتاب بن أسيد » على أهل مكة وقال : انطلق فقد استعملتك على أهل اللَّه ، فكان شديدا على المريب . لينا على المؤمن ، وقال : لا واللَّه لا أعلم متخلفا يتخلف عن الصلاة في جماعة إلا ضربت عنقه ، فإنه لا يتخلف عن الصلاة إلا منافق . فقال أهل مكة : يا رسول اللَّه لقد استعملت على أهل اللَّه « عتاب بن أسيد » أعرابيا جافيا . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « إني رأيت فيما يرى النائم كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة ، فأخذ بحلقة الباب فقلقلها قلقالا شديدا ، حتى فتح له فدخلها ، فأعز اللَّه به الإسلام لنصرته المسلمين على من يريد ظلمهم ، فذلك السلطان النصير » « 1 » . وقال ابن كثير - بعد أن ساق بعض الأقوال في معنى الآية الكريمة - قوله : * ( واجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) * قال الحسن البصري في تفسيرها : وعده ربه لينزعن ملك فارس والروم وليجعلنه له . وقال قتادة فيها : إن نبي اللَّه علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان . فسأل سلطانا نصيرا لكتاب اللَّه . ولحدود اللَّه ، ولفرائض اللَّه ، ولإقامة دين اللَّه ، فإن السلطان رحمة من اللَّه جعله بين أظهر عباده ، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم . . . ثم قال ابن كثير : واختار ابن جرير قول الحسن وقتادة ، وهو الأرجح ، لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه ، ولهذا يقول - تعالى - : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ ، وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، وأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيه بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنَّاسِ . . .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 688 .