سيد محمد طنطاوي
363
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
عن الانتفاع بهدى القرآن الكريم ، بسبب جحودهم وجهلهم وإصرارهم على كفرهم . فهو حجاب معنوي خفى ، حال بينهم وبين الانتفاع بالقرآن . فهم يستمعون إليه ، ولكنهم يجاهدون قلوبهم ألا ترق له ، ويمانعون فطرتهم عن التأثر به ، فكان استماعهم له كعدمه ، وعاقبهم اللَّه على ذلك بأن طمس بصائرهم عن فقهه . والمعنى : وإذا قرأت - أيها الرسول الكريم - القرآن الهادي إلى الطريق التي هي أقوم ، جعلنا - بقدرتنا ، ومشيئتنا - ، بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة ، حجابا يحجبهم ويمنعهم عن إدراك أسراره وهداياته ، وساترا بينك وبينهم ، بحيث لا يصل القرآن إلى قلوبهم وصول انتفاع وهداية . ويشهد لهذا المعنى قوله - تعالى - : وقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْه وفِي آذانِنا وَقْرٌ ، ومِنْ بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ ، فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ « 1 » . ومن المفسرين الذين اكتفوا بهذا القول ، فلم يذكروا غيره ، الإمام البيضاوي ، فقد قال - رحمه اللَّه : قوله : وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم * ( مَسْتُوراً ) * ذا ستر : كقوله - تعالى - : إِنَّه كانَ وَعْدُه مَأْتِيًّا أي مستورا عن الحس . . « 2 » . أما القول الثاني فيرى أصحابه : أن المراد بالحجاب المستور ، أن اللَّه - تعالى - يحجب نبيه صلى اللَّه عليه وسلم عن أعين المشركين ، بحيث لا يرونه في أوقات معينة ، لحكم منها : النجاة من شرورهم . فيكون المعنى : وإذا قرأت القرآن - أيها الرسول الكريم - جعلنا بينك وبين هؤلاء الكافرين ، حجابا ساترا لك عنهم بحيث لا يرونك ، عندما تكون المصلحة في ذلك . وقد استشهد أصحاب هذا القول بما أخرجه الحافظ أبو يعلى عن أسماء بنت أبي بكر قالت : لما نزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة ، وفي يدها فهر - أي حجر - وهي تقول : مذمّما أتينا ، وأمره عصينا ، ودينه قلينا ورسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم جالس ، وأبو بكر إلى جنبه . فقال أبو بكر : يا رسول اللَّه ، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « إنها
--> ( 1 ) سورة فصلت الآية 5 . ( 2 ) تفسير البيضاوي ج 1 ص 587 .