سيد محمد طنطاوي
364
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لن تراني « وقرأ قرآنا اعتصم به منها ، ومما قرأه - : * ( وإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً ) * . فجاءت حتى قامت على أبى بكر ، فلم تر النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، فقالت : يا أبا بكر ، بلغني أن صاحبك هجانى : فقال أبو بكر : لا ورب هذا البيت ما هجاك . فانصرفت وهي تقول : لقد علمت قريش أنى بنت سيدها « 1 » . ومن المفسرين الذين استظهروا هذا القول ، الإمام القرطبي ، فقد قال بعد أن ذكر ما روى عن أسماء بنت أبي بكر - رضى اللَّه عنهما - : وقال سعيد بن جبير : لما نزلت سورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ جاءت امرأة أبى لهب إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم ومعه أبو بكر ، فقال أبو بكر لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك فإنها امرأة بذيّة . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « إنه سيحال بيني وبينها » فلم تره . فقالت لأبى بكر : يا أبا بكر هجانا صاحبك . فقال أبو بكر : واللَّه ما ينطق بالشعر ولا يقوله . فاندفعت راجعة . فقال أبو بكر : يا رسول اللَّه ، أما رأتك ؟ . قال : لا . ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت . ثم قال القرطبي : وقيل : الحجاب المستور ، طبع اللَّه على قلوبهم حتى لا يفقهوه : ولا يدركوا ما فيه من الحكمة . قاله قتادة . وقال الحسن : أي أنهم لإعراضهم عن قراءتك ، وتغافلهم عنك كمن بينك وبينه حجاب في عدم رؤيتهم لك ، حتى كأن على قلوبهم أغطية . . . ثم قال : والقول الأول أظهر في الآية « 2 » . ويبدو لنا أن كلا القولين صحيح في ذاته ، وأن كل واحد منهما يحكى حالات معينة ، ويشهد لذلك ما نقله الجمل في حاشيته على الجلالين عن شيخه فقد قال - رحمه اللَّه - . قوله : * ( حِجاباً مَسْتُوراً ) * ، أي : ساترا لك عنهم فلا يرونك وهذا بالنسبة لبعضهم ، كان يحجب بصره عن رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم إذا أراده بمكروه وهو يقرأ القرآن : وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك معاني القرآن . . وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن . . « 3 » . وقوله - تعالى - : * ( وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوه وفِي آذانِهِمْ وَقْراً وإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ ) *
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 89 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 269 . ( 3 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 268 . بتصرف وتلخيص - .