سيد محمد طنطاوي

355

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ذلك الذي أمرناك به ، ونهيناك عنه - أيها الرسول الكريم - بعض ما أوحاه اللَّه - تعالى - عليك « من الحكمة » التي هي علم الشرائع ومعرفة الحق ، والعمل به ، وحذار أن تجعل بعد هذا البيان الحكيم ، مع اللَّه - تعالى - إلها آخر - أيها المخاطب - فتلقى وتطرح في جهنم ، ملوما من نفسك ومن غيرك ، مدحورا أي : مبعدا من رحمة اللَّه - تعالى - قال صاحب الكشاف : ولقد جعل اللَّه - تعالى - فاتحتها - أي تلك الآيات المشتملة على تلك الأوامر والنواهي - وخاتمتها ، النهى عن الشرك ، لأن التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذّفيها الحكماء ، وحك بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين اللَّه أضل من النعم « 1 » . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة التي اشتملت على بضع وعشرين تكليفا ، والتي ابتدأت بقوله - تعالى - لا تجعل مع اللَّه إلها آخر . . . وانتهت بقوله - سبحانه - : * ( ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ . . ) * قد ربطت قواعد السلوك والآداب : والتكاليف الفردية والاجتماعية ، بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - لأن هذا الإخلاص للَّه - تعالى - في العقيدة والعبادة والقول والعمل . . هو رأس كل حكمة وملاكها . كما قال صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - . وبعد أن ذكر - سبحانه - ما ذكر من الأوامر والنواهي في الآيات السابقة ، التي بدأها وختمها بالنهى عن الإشراك باللَّه - تعالى - أتبع ذلك بإقامة الأدلة على استحالة أن يكون له شريك أو ولد ، بل كل من في السماوات ومن الأرض ، خاضع لسلطانه ، وما من شيء إلا ويسبح بحمده ، فقال - تعالى - . [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 40 إلى 44 ] أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ واتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً ( 40 ) ولَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً ( 41 ) قُلْ لَوْ كانَ مَعَه آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ( 42 ) سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً ( 43 ) تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّه كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 44 )

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 450 .