سيد محمد طنطاوي

354

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ختم - سبحانه - تلك التكاليف التي يغلب عليها طابع النهى عن الرذائل بقوله : * ( كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُه عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ) * . واسم الإشارة * ( ذلِكَ ) * يعود إلى ما تقدم ذكره من التكاليف والأوامر والنواهي . التي لا يتطرق إليها النسخ ، والتي تبلغ خمسة وعشرين تكليفا ، تبدأ بقوله - تعالى - : * ( لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ ) * ثم يأتي بعد ذلك النهى عن عقوق الوالدين ، والأمر بصلة الأرحام ، وبالعطف على المسكين وابن السبيل ، ثم النهى عن البخل ، والإسراف ، وقتل الأولاد ، والاقتراب من الزنا ، وقتل النفس إلا بالحق ، والاعتداء على مال اليتيم . . إلخ . والضمير في * ( سَيِّئُه ) * يعود إلى ما نهى اللَّه عنه من أفعال ، كالشرك ، وعقوق الوالدين ، والزنا . أي : كل ذلك الذي بيناه لك فيما سبق ، كان الفعل السيئ منه ، عند ربك مكروها ، أي : مبغوضا عنده - سبحانه - وأما الفعل الحسن كالوفاء بالعهد ، وإعطاء ذي القربى حقه ، فهو محمود عند ربك - عز وجل - . قال الآلوسي : ووصف ذلك بمطلق الكراهة مع أن أكثره من الكبائر - كالشرك والزنا . . . - للإيذان بأن مجرد الكراهة عنده - تعالى - كافية في وجوب الكف عن ذلك . وتوجيه الإشارة إلى الكل ، ثم تعيين البعض دون توجيهها إليه ابتداء ، لما قيل : من أن البعض المذكور ليس بمذكور جملة ، بل على وجه الاختلاط لنكتة اقتضته ، وفيه إشعار بكون ما عداه مرضيا عنده - سبحانه - . وإنما لم يصرح بذلك ، إيذانا بالغنى عنه ، أو اهتماما بشأن التنفير من النواهي . . « 1 » . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : * ( كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُه ) * بالتاء والتنوين . وعلى هذه القراءة يكون اسم الإشارة ، يعود إلى المنهيات السابقة فقط ، ويكون المعنى : كل ذلك الذي نهيناك عنه في الآيات السابقة ، من الإشراك باللَّه ، وعقوق الوالدين ، واتباع ما ليس لك به علم . . كان اقترافه سيئة من السيئات المبغوضة عند ربك ، المحرمة في شرعه ، المعاقب مرتكبها . ثم ختم - سبحانه - تلك الأحكام المحكمة ، والتكاليف السامية ، بقوله : * ( ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ) * .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 76 .