سيد محمد طنطاوي

351

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وعلى هذا التفسير يكون السؤال في قوله - تعالى - : * ( كانَ عَنْه مَسْؤُلًا ) * للإنسان الذي تتبع ما ليس له به علم من قول أو فعل . ومن الآيات التي تشهد لهذا التفسير قوله - تعالى - : فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ « 1 » . ومنهم من يرى أن السؤال موجه إلى تلك الأعضاء ، لتنطق بما اجترحه صاحبها ، ولتكون شاهدة عليه ، فيكون المعنى : . إن السمع والبصر والفؤاد ، كل واحد من أولئك الأعضاء ، كان مسؤولا عن فعله ، بأن يقال له : هل استعملك صاحبك فيما خلقت من أجله أولا ؟ . ويكون هذا السؤال للأعضاء من باب التوبيخ لأصحابها ، كما قال - تعالى - : الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ ، وتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 2 » . وكما قال - سبحانه - : ويَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّه إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأَبْصارُهُمْ وجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ « 3 » . واسم الإشارة * ( أُولئِكَ ) * على التفسيرين يعود إلى السمع والبصر والفؤاد ، إما لأن هذا الاسم يشار به إلى العقلاء ويشار به إلى غير العقلاء ، كما في قول الشاعر : ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام وإما لأن هذه الأعضاء أخذت حكم العقلاء ، لأنها جزء منهم ، وشاهدة عليهم . وعلى كلا التفسيرين أيضا ، يتمثل التحذير الشديد للإنسان عن أن يتبع ما ليس له به علم . قال الجمل : وقوله - تعالى - : * ( كُلُّ أُولئِكَ ) * مبتدأ ، خبره جملة * ( كانَ عَنْه مَسْؤُلًا ) * ، والضمير في « كان » وفي « عنه » وفي « مسؤولا » يعود على كل . أي : كان كل واحد منها مسؤولا عن نفسه ، يعنى عما فعل به صاحبه : ويجوز أن يكون الضمير في : « عنه » لصاحب السمع والبصر والفؤاد . . « 4 » .

--> ( 1 ) سورة الحجر الآية 92 ، 93 . ( 2 ) سورة يس الآية 65 . ( 3 ) سورة فصلت الآيتان 19 ، 20 . ( 4 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 625 .