سيد محمد طنطاوي
352
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وشبيه بهذه الآية في النهى عن اتباع ما لا علم للإنسان به . قوله - تعالى - : قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وما بَطَنَ ، والإِثْمَ والْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّه ما لَمْ يُنَزِّلْ بِه سُلْطاناً ، وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ « 1 » . وقوله - سبحانه - : يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ والْفَحْشاءِ وأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه ما لا تَعْلَمُونَ « 2 » . قال الإمام ابن كثير : ومضمون ما ذكروه - في معنى قوله - تعالى - : * ( ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ . . ) * أن اللَّه - تعالى - نهى عن القول بلا علم ، كما قال - سبحانه - : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ . . وفي الحديث : « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث . . . » وفي سنن أبي داود : « بئس مطية الرجل زعموا » وفي الحديث الآخر : « إن أفرى الفري - أي أكذب الكذب - أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا » « 3 » . وقال بعض العلماء : وهذه الكلمات القليلة - التي اشتملت عليها الآية - تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل ، يشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا ، ويضيف إليه استقامة القلب ، ومراقبة اللَّه ، ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة ! . فالتثبت من كل خبر ، ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة ، قبل الحكم عليها ، هو دعوة القرآن الكريم ، ومنهج الإسلام الدقيق . . فلا يقول اللسان كلمة ، ولا ينقل رواية ، ولا يروى حادثة ، ولا يحكم العقل حكما ، ولا يبرم الإنسان أمرا . إلا وقد تثبت من كل جزئية ، ومن كل ملابسة ومن كل نتيجة ، فلم يبق هنالك شك ولا شبهة في صحتها . . « 4 » . ثم ينتقل القرآن الكريم من النهى عن أن يتبع الإنسان ما لا علم له به ، إلى النهى عن التفاخر والتكبر والإعجاب في النفس فيقول : * ( ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً . . . ) * . والمرح في الأصل : شدة الفرح ، والتوسع فيه ، مع الخيلاء والتعالي على الناس ، يقال : مرح - بزنة فرح - يمرح مرحا ، إذا اشتد فرحه ومشى مشية المتكبرين . وهو مصدر وقع موقع الحال .
--> ( 1 ) سورة الأعراف الآية 33 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 168 ، 169 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 72 . ( 4 ) من تفسير « في ظلال القرآن » ج 15 ص 2227 .