سيد محمد طنطاوي
350
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ، إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤادَ ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْه مَسْؤُلًا ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ، إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ ، ولَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا . كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُه عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً . ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ . ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ . فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً ) * . قال القرطبي - رحمه اللَّه - ما ملخصه : قوله - تعالى - : * ( ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) * أي : ولا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك - من قول أو فعل - قال قتادة : لا تقل رأيت وأنت لم تر ، وسمعت وأنت لم تسمع ، وعلمت وأنت لم تعلم . . ثم قال : وأصل القفو البهت ، والقذف بالباطل . ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : « نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمّنا ، ولا ننتفى من أبينا » أي : لا نسبّ أمنا . وقال : قفوته أقفوه . . . إذا اتبعت أثره . وقافية كل شيء آخره ، ومنه اسم النبي صلى اللَّه عليه وسلم : المقفّى ، لأنه آخر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ، ومنه القائف ، وهو الذي يتبع الأثر . . « 1 » . وقال صاحب الكشاف - رحمه اللَّه - : قوله : * ( ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ ) * : يعنى ، ولا تكن في اتباعك ما لا علم لك به من قول أو فعل ، كمن يتبع مسلكا لا يدرى أنه يوصله إلى مقصده فهو ضال . والمراد : النهى عن أن يقول الرجل ما لا يعلم ، وأن يعمل بما لا يعلم . ويدخل فيه النهى عن التقليد الأعمى دخولا ظاهرا لأنه اتباع لما لا يعلم صحته من فساده . . « 2 » . وقوله : * ( إِنَّ السَّمْعَ والْبَصَرَ والْفُؤادَ ، كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْه مَسْؤُلًا ) * تحذير شديد من أن يقول الإنسان قولا لا علم له به ، أو أن يفعل فعلا بدون تحقق ، أو أن يحكم حكما بلا بينة أو دليل . أي : إن السمع الذي تسمع به - أيها المكلف - ، والبصر الذي تبصر به ، والفؤاد - أي القلب - الذي تحيا به ، كل أولئك الأعضاء ستكون مسؤولا عن أفعالها يوم القيامة ، وسيقال لك بتأنيب وتوبيخ : لما ذا سمعت ما لا يحل لك سماعه ، ونظرت إلى ما لا يجوز لك النظر إليه ، وسعيت إلى ما لا يصح لك أن تسعى إليه ! ! .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 257 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 449 .