سيد محمد طنطاوي

327

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً ) * أمر بالكلام الطيب معهما . بعد النهى عن الكلام الذي يدل على الضجر والقلق من فعلهما . أي : وقل لهما بدل التأفيف والزجر ، قولا كريما حسنا ، يقتضيه حسن الأدب معهما ، والاحترام لهما والعطف عليهما . وقوله : * ( واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ . . ) * زيادة في تبجيلهما والتلطف معهما في القول والفعل والمعاملة على اختلاف ألوانها . أي : وبجانب القول الكريم الذي يجب أن تقوله لهما ، عليك أن تكون متواضعا معهما ، متلطفا في معاشرتهما ، لا ترفع فيهما عينا ، ولا ترفض لهما قولا ، مع الرحمة التامة بهما ، والشفقة التي لا نهاية لها عليهما . قال الإمام الرازي ما ملخصه : وقوله : * ( واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ) * المقصود منه المبالغة في التواضع . وذكر القفال في تقريره وجهين : الأول : أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية . فكأنه قال للولد : اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك في حال صغرك . والثاني : أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه ، وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه . فصار خفض الجناح كناية عن التواضع « 1 » . وإضافة الجناح إلى الذل إضافة بيانية ، أي : اخفض لهما جناحك الذليل و * ( مِنَ ) * في قوله * ( مِنَ الرَّحْمَةِ ) * ابتدائية . أي تواضع لهما تواضعا ناشئا من فرط رحمتك عليهما . قال الآلوسي : وإنما احتاجا إلى ذلك ، لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما ، واحتياج المرء إلى من كان محتاجا إليه أدعى إلى الرحمة ، كما قال الشاعر : يا من أتى يسألني عن فاقتي ما حال من يسأل من سائله ؟ ما ذلة السلطان إلا إذا أصبح محتاجا إلى عامله وقوله : * ( وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) * تذكير للإنسان بحال ضعفه وطفولته ، وحاجته إلى الرعاية والحنان . أي : وقل في الدعاء لهما : يا رب ارحمهما برحمتك الواسعة ، واشملهما بمغفرتك الغامرة ،

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 191 .