سيد محمد طنطاوي

328

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

جزاء ما بذلا من رعاية لي في صغرى ، فأنت القادر على مثوبتهما ومكافأتهما . قال الجمل : والكاف في قوله * ( كَما رَبَّيانِي . . ) * فيها قولان : أحدهما أنها نعت لمصدر محذوف . أي : ارحمهما رحمة مثل رحمتهما لي ، والثاني أنها للتعليل . أي : ارحمهما لأجل تربيتهما لي ، كما في قوله واذْكُرُوه كَما هَداكُمْ « 1 » . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات التي سمت بمنزلة الوالدين ، بما يدل على كمال علمه ، وعلى التحذير من عقابه ، فقال - تعالى - : * ( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّه كانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً ) * . والأوابون : جمع أواب . وهو الكثير الأوبة والتوبة والرجوع إلى اللَّه - تعالى - يقال : آب فلان يئوب إذا رجع . قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال في ذلك : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، قول من قال : الأواب هو التائب من الذنب ، الراجع عن معصية اللَّه إلى طاعته ، ومما يكرهه إلى ما يرضاه ، لأن الأواب إنما هو فعال من قول القائل : آب فلان من سفره إلى منزله ، كما قال الشاعر : وكل ذي غيبة يئوب وغائب الموت لا يؤوب « 2 » أي : ربكم - أيها الناس - أعلم بما في نفوسكم ، وضمائركم ، سواء أكان خيرا أو شرا ، وسواء كنتم تضمرون البر بآبائكم أم تخفون الإساءة إليهما ، ومع ذلك فإنكم إن تكونوا صالحين - أي : قاصدين الصلاح والبر بهما ، والرجوع عما فرط منكم في حقهما أو في حق غيرهما - فاللَّه - تعالى - يقبل توبتكم ، فإنه - سبحانه - بفضله وكرمه كان للأوابين - أي الرجاعين إليه بالتوبة مما فرط منهم - غفورا لذنوبهم . فالآية الكريمة وعيد لمن تهاون في حقوق أبويه ، وفي كل حق أوجبه اللَّه عليه ، ووعد لمن رجع إليه - سبحانه - بالتوبة الصادقة . وبذلك نرى الآيات الكريمة قد أمرت بالإحسان إلى الوالدين ، بأسلوب يستجيش عواطف البر والرحمة في قلوب الأبناء ، ويبعثهم على احترامهما ورعايتهما والتواضع لهما ، وتحذيرهم من الإساءة إليهما ، ويفتح باب التوبة أمام من قصر في حقهما أو حق غيرهما .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 622 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 15 ص 52 .