سيد محمد طنطاوي

320

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والذم . وقوله * ( مَدْحُوراً ) * إشارة إلى البعد والطرد عن رحمة اللَّه - تعالى - . وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة ، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( ومَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ) * بيان لحسن عاقبة المؤمنين الصادقين بعد بيان سوء عاقبة المؤثرين لمتع الدنيا وشهواتها . أي : ومن أراد بقوله وعمله ثواب الدار الآخرة ، وما فيها من عطاء غير مقطوع ، وسعى لهذه الدار سعيها الذي يوصله إلى مرضاة اللَّه - تعالى - حالة كونه مؤمنا باللَّه - تعالى - وبكل ما يجب الإيمان به ، * ( فَأُولئِكَ ) * الذي فعلوا ذلك ، * ( كانَ سَعْيُهُمْ ) * للدار الآخرة سعيا * ( مَشْكُوراً ) * : من اللَّه - تعالى - ، حيث يقبله - سبحانه - منهم ، ويكافئهم عليه بما يستحقون من ثواب لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - وعبر - عز وجل - بالسعي عن أعمالهم الصالحة ، للإشعار بجدهم وحرصهم على أداء ما يرضيه - تعالى - بدون إبطاء أو تأخير ، إذ السعي يطلق على المشي الذي تصاحبه السرعة . وأشار - سبحانه - إليهم بأولئك ، للإشعار بعلو درجاتهم وسمو مراتبهم . قال بعض العلماء ما ملخصه : وفي الآية الدليل الواضح على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان باللَّه - تعالى - لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة . ولذا قال - سبحانه - : * ( ومَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ . . ) * . وقد أوضح - سبحانه - هذا في آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طَيِّبَةً . . . ومفهوم هذه الآية وأمثالها ، أن غير المؤمن إذا قدم عملا صالحا في الدنيا لا ينفعه في الآخرة لفقد شرط الإيمان ، قال - تعالى - : وقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناه هَباءً مَنْثُوراً . وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « إن اللَّه لا يظلم مؤمنا حسنة يعطى بها في الدنيا ، ويجزى بها في الآخرة . وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها للَّه في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها » « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 20 ص 178 . ( 2 ) تفسير أضواء البيان ج 3 ص 448 للشيخ محمد الأمين الشنقيطي .