سيد محمد طنطاوي
321
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على كمال قدرته ، وسعة عطائه فقال : * ( كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ، وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) * ولفظ « كلا » هنا مفعول به للفعل نمد ، والتنوين عوض عن المضاف إليه . أي : نمد كل واحد من الفريقين . وقوله * ( نُمِدُّ ) * من الإمداد بمعنى الزيادة . يقال : أمد القائد الجيش بالجند ، إذا زاده وقواه . والمراد باسم الإشارة الأول « هؤلاء » : المؤثرون للعاجلة ، والمراد بالثاني الراغبون في ثواب الآخرة . والمعنى : كلا من الفريقين نمده من فضلنا وإحساننا فنعطى ما نريد إعطاءه لمن يريد العاجلة ولمن يريد الآجلة دون أن ينقص مما عندنا شيء ، ودون أن يخرج عن مشيئتنا شيء . * ( وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ ) * أيها الرسول الكريم * ( مَحْظُوراً ) * أي : ممنوعا لا عن المؤمن ولا عن الكافر ، ولا في الدنيا ولا في الآخرة . من الحظر بمعنى المنع يقال : حظره يحظره - من باب قتل - فهو محظور ، أي : ممنوع . ثم أمر - سبحانه - عباده بالنظر والتأمل في أحوال خلقه ، ليزدادوا عظة وعبرة ، فقال : * ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ، ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) * . أي : انظر - أيها العاقل - نظر تأمل وتدبر واعتبار في أحوال الناس ، لترى عن طريق المشاهدة كيف فضل اللَّه - تعالى - بعض الناس على بعض في هذه الحياة ، فهذا غنى وذاك فقير ، وهذا قوى وذاك ضعيف ، وهذا ذكى وذاك خامل ، وهذا مالك وذاك مملوك . . إلى غير ذلك من الأحوال التي تدل على تفاوت الناس في هذه الدنيا ، على حسب ما تقتضيه إرادة اللَّه - تعالى - وحكمته ، ومشيئته . أما في الآخرة فالناس فيها أكبر تفاضلا وتفاوتا في الدرجات والمنازل ، مما كانوا عليه في الدنيا . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وقوله : * ( ولَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) * أي : ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا ، فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ، ومنهم من يكون في الدرجات العلا ونعيمها وسرورها . ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه ، كما أن أهل الدرجات يتفاوتون ، فإن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض . وفي الصحيحين : « إن أهل الدرجات العلا