سيد محمد طنطاوي

319

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهذا العطاء العاجل المقيد بمشيئتنا ليس لكل الناس ، وإنما هو * ( لِمَنْ نُرِيدُ ) * عطاءه منهم ، بمقتضى حكمتنا وإرادتنا . فأنت ترى أنه - سبحانه - قد قيد العطاء لمن يريد العاجلة بمشيئته وإرادته . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية : « من كانت العاجلة همه ، ولم يرد غيرها كالكفرة وأكثر الفسقة ، تفضلنا عليه من منافعها بما نشاء لمن نريد . فقيد الأمر تقييدين : أحدهما : تقييد المعجل بمشيئته ، والثاني : تقييد المعجل له بإرادته . وهكذا الحال ، ترى كثيرا من هؤلاء يتمنون ما يتمنون ولا يعطون إلا بعضا منه ، وكثيرا منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموا فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة وأما المؤمن التقى فقد اختار مراده ، وهو غنى الآخرة فما يبالي أوتى حظا من الدنيا أو لم يؤت . فإن أوتى فبها شكر ، وإن لم يؤت صبر ، فربما كان الفقر خيرا له ، وأعون على مراده . وقوله * ( لِمَنْ نُرِيدُ ) * بدل من * ( لَه ) * وهو بدل البعض من الكل ، لأن الضمير يرجع إلى من وهو في معنى الكثرة « 1 » ومفعول نريد محذوف . أي : لمن نريد عطاءه . وقوله : * ( ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً ) * بيان لسوء مصير هذا المريد للعاجلة في الآخرة . و * ( يَصْلاها ) * أي : يلقى فيها ويذوق حرها وسعيرها : يقال : صليت الشاة : شويتها . وصلى فلان بالنار - من باب تعب - إذا وجد حرها . و * ( مَذْمُوماً ) * من الذم الذي هو ضد المدح . و * ( مَدْحُوراً ) * من الدحور بمعنى الطرد واللعن . يقال : دحره دحرا ودحورا ، إذا طرده وأبعده . أي : من كان يريد بسعيه الدنيا وزينتها أعطيناه منها ما نشاء إعطاءه له ، أما في الآخرة فقد جعلنا له جهنم يدخلها ، ويصلى حرها ولهيبها ، حالة كونه « مذموما » أي مبغوضا بسبب سوء صنيعه ، « مدحورا » أي : مطرودا ومبعدا من رحمة اللَّه - تعالى - . قال الإمام الرازي ما ملخصه : وفي لفظ هذه الآية فوائد : منها : أن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم ، بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة فقوله : * ( ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها ) * إشارة إلى المضرة العظيمة . وقوله * ( مَذْمُوماً ) * إشارة إلى الإهانة

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 443 .