سيد محمد طنطاوي

316

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الخير والشر ، وطلب منهم إيثار الطاعة ، على المعصية ، فآثروا الفسوق ، فلما فسقوا حق عليهم القول وهو كلمة العذاب فدمرهم . . « 1 » . ومن المفسرين من يرى أن قوله - تعالى - : أَمَرْنا بمعنى كثّرنا - بتشديد الثاء - وقرئ أَمَرْنا بتشديد الميم ، أي : كثرنا مترفيها وجعلناهم أمراء مسلطين . . ولكن هذه القراءة . وقراءة آمرنا بمعنى « كثرنا » أيضا ، ليستا من القراءات السبعة أو العشرة ، وإنما هما من القراءات الشاذة . قال الإمام ابن جرير : وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب ، قراءة من قرأ « أمرنا » بقصر الألف وتخفيف الميم - لإجماع الحجة من القراء بتصويبها دون غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة ، فأولى التأويلات به تأويل من تأوله : أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها . فحق عليهم القول ، لأن الأغلب من معنى أَمَرْنا الأمر الذي هو خلاف النهى دون غيره . وتوجيه معاني كلام اللَّه - جل ثناؤه - إلى الأشهر الأعرف من معانيه ، أولى ما وجد إليه سبيل من غيره . . « 2 » . ويبدو لنا أن الرأي الأول الذي سار عليه جمهور المفسرين ، وعلى رأسهم الإمام ابن جرير ، أولى بالقبول ، لأسباب منها : ان القرآن الكريم يؤيده في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله - تعالى - : وإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّه أَمَرَنا بِها ، قُلْ إِنَّ اللَّه لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ . . « 3 » . فقوله - تعالى - : قُلْ إِنَّ اللَّه لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ دليل واضح على أن قوله - سبحانه - : أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها . . معناه : أمرناهم بالطاعة ففسقوا ، وليس معناه أمرناهم بالفسق ففسقوا لأنه - سبحانه - لا يأمر لا بالفسق ولا بالفحشاء . ومنها : أن الأسلوب العربي السليم يؤيده لأنك إذا قلت : أمرته فعصاني كان المعنى المتبادر والظاهر من هذه الجملة ، أمرته بالطاعة فعصاني ، وليس معناه . أمرته بالعصيان فعصاني . ومنها : أن حمل الكلام على الحقيقة - كما سار جمهور المفسرين - أولى من حمله على المجاز - كما ذهب صاحب الكشاف - .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 442 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 15 ص 43 . ( 3 ) سورة الأعراف الآية 28 .