سيد محمد طنطاوي

317

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً بيان لما نزل بهذه القرية وأهلها من عذاب محاها من الوجود ، إذ التدمير هو الإهلاك مع طمس الأثر ، وهدم البناء . أي : أمرنا مترفيها بطاعتنا وشكرنا ، فعصوا أمرنا وفسقوا فيها ، فثبت وتحقق عليها عذابنا ، فأهلكناها إهلاكا استأصل شأفتها ، وأزال آثارها . وأكد - سبحانه - فعل التدمير بمصدره ، للمبالغة في إبراز شدة الهلاك الواقع على تلك القرية الظالم أهلها . قال الآلوسي ما ملخصه : والآية تدل على إهلاك أهل القرية على أتم وجه ، وإهلاك جميعهم ، لصدور الفسق منهم جميعا ، فإن غير المترف يتبع المترف عادة . . . وقيل : هلاك الجميع لا يتوقف على التبعية فقد قال - تعالى - : واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً . . . وقد صح عن أم المؤمنين زينب بنت جحش أنها قالت : قلت ، يا رسول اللَّه ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم ، إذا كثر الخبث « 1 » . ثم بين - سبحانه - أن هذه القرية لم تكن بدعا في نزول العذاب بها ، بل هناك قرى كثيرة عتت عن أمر ربها فأخذها - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر ، فقال - تعالى - : * ( وكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ . . . ) * . و * ( كَمْ ) * هنا خبرية أي : أن معناها الإخبار عن عدد كثير ، وهي في محل نصب مفعول به لجملة * ( أَهْلَكْنا ) * و « من » في قوله - تعالى - : * ( مِنَ الْقُرُونِ ) * بيان للفظ * ( كَمْ ) * وتمييز له كما يميز العدد بالجنس . وأما « من » في قوله - تعالى - : * ( مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ) * فهي لابتداء الغاية . والقرون : جمع قرن ، ويطلق على القوم المقترنين في زمان واحد . والمشهور أن مدته مائة سنة . أي : أن هذه القرية المدمرة بسبب فسوق أهلها ، وعصيانهم لأمرنا ، ليست هي القرية الوحيدة التي نزل بها عذابنا ، بل إننا قد أهلكنا كثيرا من القرى من بعد زمن نوح - عليه السلام - كقوم عاد وثمود وغيرهم ممن استحبوا العمى على الهدى ، وآثروا الكفر على الإيمان والغي على الرشد .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 44 .