سيد محمد طنطاوي
304
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
يعملون الأعمال الصالحات بأن لهم أجرا كبيرا من خالقهم - عز وجل - : أجرا كبيرا لا يعلم مقداره إلا مسديه ومانحه ، وهو اللَّه رب العالمين . وقوله - سبحانه - : * ( وأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) * بيان لسوء عاقبة الذين لا يستجيبون لهداية القرآن الكريم ، وهو معطوف على قوله - تعالى - : * ( أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) * . أي : أن هذا القرآن يبشر المؤمنين بالأجر الكبير ، ويبشر - على سبيل التهكم - الذين لا يؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وثواب وعقاب بالعذاب الأليم . قال الآلوسي ما ملخصه : وتخصيص الآخرة بالذكر من بين سائر ما لم يؤمن به الكفرة ، لكونها أعظم ما أمروا بالإيمان به ، ولمراعاة التناسب بين أعمالهم وجزائها ، الذي أنبأ عنه قوله - تعالى - : * ( أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) * وهو عذاب جهنم . أي : أعددنا وهيأنا لهم ، فيما كفروا به وأنكروا وجوده من الآخرة عذابا أليما . والآية معطوفة على قوله * ( أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً ) * فيكون إعداد العذاب الأليم للذين لا يؤمنون بالآخرة مبشرا به كثبوت الأجر الكبير للمؤمنين ، ومصيبة العدو سرور يبشر به ، فكأنه قيل : يبشر المؤمنين بثوابهم وعقاب أعدائهم . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعض الأحوال التي قد يقدم الإنسان فيها على طلب ما يضره بسبب عجلته واندفاعه فقال - تعالى - : . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 11 ] ويَدْعُ الإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَه بِالْخَيْرِ وكانَ الإِنْسانُ عَجُولًا ( 11 ) والمراد بالإنسان هنا : الجنس وليس واحدا معينا . قال الآلوسي : وقوله : * ( دُعاءَه بِالْخَيْرِ ) * أي : دعاء كدعائه بالخير ، فحذف الموصوف وحرف التشبيه وانتصب المجرور على المصدرية « 2 » . والمعنى : ويدعو الإنسان حال غضبه وضجره ، على نفسه ، أو على غيره ، * ( بِالشَّرِّ ) * كأن يقول : « اللهم أهلكنى ، أو أهلك فلانا . . » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 22 . ( 2 ) الآلوسي ج 15 ص 23 .