سيد محمد طنطاوي

305

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( دُعاءَه بِالْخَيْرِ ) * أي : يدعو بالشر على نفسه أو على غيره ، كدعائه بالخير ، كأن يقول : اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين . قال ابن كثير : يخبر - تعالى - عن عجلة الإنسان ، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده ، أو ماله ، * ( بِالشَّرِّ ) * أي : بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك ، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه ، كما قال - تعالى - : . ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّه لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ . . . وفي الحديث : « لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم ، أن توافقوا من اللَّه ساعة إجابة يستجيب فيها » « 1 » . وقيل المراد بالإنسان هنا : الكافر ، أو الفاسق الذي يدعو اللَّه - تعالى - بالشر ، كأن يسأله بأن ييسر له أمرا محرما كالقتل والسرقة والزنا وما يشبه ذلك . وقد أشار القرطبي إلى هذا الوجه بقوله : « وقيل نزلت في النضر بن الحارث ، كان يدعو ويقول - كما حكى القرآن عنه - : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ . وقيل : هو أن يدعو في طلب المحظور ، كما يدعو في طلب المباح . كما في قول الشاعر : أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزرى المسبل واسجل بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل « 2 » ويبدو لنا أن الرأي الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه المأثور عن بعض الصحابة والتابعين وهم أدرى بتفسير كتاب اللَّه من غيرهم . قال ابن جرير - رحمه اللَّه - عند تفسيره لهذه الآية : عن ابن عباس قال في قوله - تعالى - : * ( ويَدْعُ الإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَه بِالْخَيْرِ . . ) * يعنى قول الإنسان اللهم العنه واغضب عليه ، فلو يعجل له اللَّه ذلك كما يعجل له الخير لهلك . . . وقال قتادة : يدعو على ماله فيلعن ماله ، ويدعو على ولده ، ولو استجاب اللَّه له لأهلكه . وقال مجاهد : ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده وعلى امرأته ولا يحب أن يجاب « 3 » .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 46 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 10 ص 225 . ( 3 ) تفسير ابن جرير ج 15 ص 37 .