سيد محمد طنطاوي

284

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقال - سبحانه - في شأن إبراهيم : ونَجَّيْناه ولُوطاً إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ « 1 » . والمقصود بهذه الأرض : أرض الشام ، التي منها فلسطين . وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها : كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع في تلك الأماكن . قال بعض العلماء : وقد قيل في خصائص المسجد الأقصى : أنه متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ومعراجه إلى السماوات العلا . . وأولى القبلتين وثاني المسجدين ، وثالث الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( لِنُرِيَه مِنْ آياتِنا ) * إشارة إلى الحكمة التي من أجلها أسرى اللَّه - تعالى - بنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقوله * ( لِنُرِيَه ) * متعلق بأسرى . و « من » للتبعيض لأن ما رآه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمته بعض آيات اللَّه بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب . أي : أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ، ثم عرجنا به إلى السماوات العلا ، لنطلعه على آياتنا ، وعلى عجائب قدرتنا ، والتي من بينها : مشاهدته لأنبيائنا الكرام ، ورؤيته لما نريد أن يراه من عجائب وغرائب هذا الكون . ولقد وردت أحاديث متعددة في بيان ما أراه اللَّه - تعالى - لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم في تلك الليلة المباركة ، ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : . . . ووجدت في السماء الدنيا آدم فقال لي جبريل : هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه ورد على آدم السلام فقال : مرحبا وأهلا بابني ، فنعم الابن أنت . . . وفي رواية للإمام أحمد عن أنس قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم : « لما عرج بي ربي - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ، يخمشون وجوههم وصدورهم ، فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ، ويقعون في أعراضهم . . « 3 » » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه ، ومزيد فضله فقال - تعالى - : * ( إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء الآية 71 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 10 ص 3885 . ( 3 ) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص 8 طبعة دار الشعب .