سيد محمد طنطاوي
283
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام ، إذ المسافة بينهما كان يقطعها الراكب للإبل في مدة شهر أو أكثر . قال الآلوسي : ووصفه بالأقصى - أي الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز . وقال غير واحد : إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التي تزار من المسجد الحرام وبينهما زهاء أربعين ليلة . وقيل - وصف بذلك - : لأنه لبس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها . . « 1 » . وظاهر الآية يفيد أن الإسراء كان من المسجد الحرام ، فقد أخرج الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أنس بن مالك - رضى اللَّه عنه - أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم قال : « بينا أنا في الحجر - وفي رواية - في الحطيم ، بين النائم واليقظان ، إذ أتاني آت فشق ما بين هذه إلى هذه ، فاستخرج قلبي فغسله ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يقال له البراق فحملت عليه » . . . وقيل أسرى به من بيت أم هانئ بنت أبي طالب ، فيكون المراد بالمسجد الحرام : الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به . فعن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - : الحرم كله مسجد . ويمكن الجمع بين هذه الروايات ، بأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم بقي في بيت أم هانئ لفترة من الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد ، فلما كان في الحجر أو في الحطيم بين النائم واليقظان ، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عرج به إلى السماوات العلا . ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء في بعض الروايات . وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم في تلك الليلة في بيت أم هانئ ، لا ينفى أن الإسراء بدأ من المسجد الحرام ، كما تقرر الآية الكريمة . وقوله * ( الَّذِي بارَكْنا حَوْلَه ) * صفة مدح للمسجد الأقصى . أي : جل شأن اللَّه الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، الذي أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية . أما البركات الدينية فمن مظاهرها : أن هذه الأرض التي حوله ، جعلها اللَّه - تعالى - مقرا لكثير من الأنبياء ، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وداود وسليمان ، وزكريا ويحيى وعيسى . قال - تعالى - : ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِه إِلى الأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها . . « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 9 . ( 2 ) سورة الأنبياء الآية 81 .