سيد محمد طنطاوي

275

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

شَكُوراً . وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً . . ( ب ) ثم يبين - سبحانه - بعد ذلك أن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم ليهدى الناس إلى الطريق الأقوم ، وليبشر المؤمنين بالأجر الكبير ، وأن كل إنسان مسؤول عن عمله ، وسيحاسب عليه يوم القيامة ، دون أن تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى . . . قال - تعالى - : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ، ويُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ ، أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً . . . إلى أن يقول - سبحانه - : وكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناه طائِرَه فِي عُنُقِه ، ونُخْرِجُ لَه يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاه مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِه ومَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ، وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . ( ج ) ثم تسوق السورة الكريمة سنة من سنن اللَّه في خلقه ، وهي أن عاقبة الترف والفسق ، الدمار والهلاك ، وأن من يريد العاجلة كانت نهايته إلى جهنم ، ومن يريد الآخرة ويقدم لها العمل الصالح كانت نهايته إلى الجنة . استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذه المعاني بأسلوبه البليغ فيقول : وإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها . فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً . وكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ . وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِه خَبِيراً بَصِيراً . مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَه فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ، ثُمَّ جَعَلْنا لَه جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً . ومَنْ أَرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً . ( د ) وبعد أن بين - سبحانه - أن سعادة الآخرة منوطة بإرادتها ، وبأن يسعى الإنسان لها وهو مؤمن ، عقب ذلك بذكر بضع وعشرين نوعا من أنواع التكاليف ، التي متى نفذها المسلم ظفر برضى اللَّه - تعالى - ومثوبته ، ومن تلك التكاليف قوله - تعالى - : لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ . وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً . . . وآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه والْمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً . . . ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإِيَّاكُمْ . . .