سيد محمد طنطاوي

274

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

5 - وسورة الإسراء من السور المكية ، ومن المفسرين الذين صرحوا بذلك دون أن يذكروا خلافا في كونها مكية . الزمخشري ، وابن كثير ، والبيضاوي ، وأبو حيان . وقال الآلوسي : وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور . وقيل : هي مكية إلا آيتين : وإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ . . . وإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ . وقيل : إلا أربعا ، هاتان الآيتان ، وقوله - تعالى - : وإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ . . . وقوله - سبحانه - : وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ . . . « 1 » . والذي تطمئن إليه النفس أن سورة الإسراء بتمامها مكية - كما قال جمهور المفسرين - لأن الروايات التي ذكرت في كون بعض آياتها مدنية ، لا تنهض دليلا على ذلك لضعفها . . . والذي يغلب على الظن أن نزول هذه السورة الكريمة : أو نزول معظمها ، كان في أعقاب حادث الإسراء والمعراج . وذلك لأن السورة تحدثت عن هذا الحدث ، كما تحدثت عن شخصية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم حديثا مستفيضا ، وحكت إيذاء المشركين له ، وتطاولهم عليه ، وتعنتهم معه ، كمطالبتهم إياه بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعا . . . وقد ردت السورة الكريمة على كل ذلك ، بما يسلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ويثبته ، ويرفع منزلته ، ويعلى قدره . . . في تلك الفترة الحرجة من حياته صلى اللَّه عليه وسلم وهي الفترة التي أعقبت موت زوجه السيدة خديجة - رضى اللَّه عنها - وموت عمه أبى طالب . . . 6 - ( أ ) وعند ما نقرأ سورة الإسراء نراها في مطلعها تحدثنا عن إسراء اللَّه - تعالى - بنبيه صلى اللَّه عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وعن الكتاب الذي آتاه اللَّه - تعالى - لموسى - عليه السلام - ليكون هداية لقومه ، وعن قضاء اللَّه في بني إسرائيل . . . قال - تعالى - : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِه لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ، الَّذِي بارَكْنا حَوْلَه ، لِنُرِيَه مِنْ آياتِنا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ . وآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وجَعَلْناه هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ، أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا . ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّه كانَ عَبْداً

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 2 .